04 , نوفمبر 2026

القطيف اليوم

وجه الجمع بين هندسة الطين وهندسة الدواء

في مقالنا السابق كان هناك تعليق من قبل استاذنا العزيز أبي علي بخصوص مكامن النفط, ولكن لان اهتمامي بالحفر أكثر منه بالمكامن، وددت لو أسلط شيء من الضوء على الطين المستخدم في الحفر. الا ان (الهايويه) اخذني الى (تدويرة) مغايرة, ربما سوف تستدعي بذلك مشاركة من دكتونا العزيز. 

لنبدأ بالطين ولننظر الى أي "زرنوق" سيقودنا. كما تعلمون فان الأرض ليست كتلة متجانسة من الصخور. فأثناء الحفر, كلما تقدمنا في العمق، يتخللنا طبقات جيولوجية ذات خصائص متغايرة، ولكل شريحة منها سمتها وبصمتها؛ من قبيل نوعية المعادن المذابة، كيفية المزج بالأملاح والايونات، وفي موضع آخر قد تتغير الحموضة ودرجة الحرارة والضغط والكمية البنيوية للماء. وكأننا لا نتعامل مع أرض واحدة، ها نحن نجتاز عوالم صغيرة متجاورة، لكل منها أوضاعها وقوانينها.

ومع ذلك كله، يظل يصاحبنا سائل حفر واحد طوال هاتيكم الرحلة. نخلط البنتونايت بالماء، فتتشكل عجينة طينية ذات مزايا جيولوجية "مهندسة" والتي من أجلى وظائفها هو في مقدرتها على حمل نواتج الحفر، وتكوين طبقة ترشيح على جدران البئر، بالإضافة للمساهمة في استقرار الفجوة. لكن هل يمكن لهذه التوليفة أن تؤدي الوظيفة نفسها بالكفاءة ذاتها حال مرورها من خلال جميع تلكم الطبقات المتباينة؟ بالطبع لا. فالماء المالح، والكالسيوم، والمغنيسيوم، والارتفاع المطرد في درجات الحرارة، وغيرها الكثير من المتقلبات والتحديات، لا بد وان تفرض تغييرا في سلوك الطين كما انه قطعا سيؤثر في لزوجته وانتفاخه وقدرته على الترشيح.

من هنا تبدأ "هندسة" السوائل الطينية في الموقع, بينما البئر لايزال في حالة الحفر. فالمهندس الماهر لا يكتفي بإعداد خطة أولية ثم يتركها وحظها لتواجه بواطن الأرض ومتقلباتها، فتراه يصرف ما في وسعه من متابعة خصائص السائل، ويحلل التبدلات الانية التي تطرأ عليه، ومن ثم يضيف المواد المناسبة ليعدل التركيبة بحسب ما تستوجبه مكونات الطبقات المستحدثة. ذلك من قبيل انه يقتضي مثلا إضافة بوليمر لتجويد اللزوجة، أو مادة خاصة لمداواة التلوث بالكالسيوم، كما انه يدرج المثبط اللازم لتفاعل الطين مع الصخور. إنها عملية موازنة مستمرة بين متطلبات التكوين الجيولوجي وأداء السائل وظروف التشغيل، مع مراعاة التكلفة الاقتصادية والوقت. هدف المهندس يتأرجح بين التأكد من اضافة طين مقاوم للمتغيرات المستمرة، وإمكانية الإبقاء على وظيفته الاساسية في تسهيل الحفر بالرغم من تفاوت البيئة المحيطة به.

من هنا اخذني الحفر والطين الى (تحويلة) مختلفة، فاستخرجتني من بواطن المكمن وأدخلتني في ثنايا خلايا جسم الإنسان. المريض عندما يتناول دواءً عن طريق الوريد مثلا، فإن الدواء لا يسلك طريقاً إلى موضع المرض المحدد مباشرة، من دون ان يمر بأعضاء وأنسجة وخلايا كثيرة. فهو يتنقل مع الدم، عبر انسجة لا تحتاج أصلاً إلى ذلك الدواء. فكان التساؤل عن كيفية "هندسة" الدواء؟ منطقيا كيف يستجيب عضو بعينه للعقار من دون أن يتفاعل بالطريقة نفسها مع بقية الانسجة الأخرى التي يمر بها وهو في طريقه لذلك الجزء المعطوب؟ 

بعد القراءة عن هذا الموضوع, تبين لي وكما هو معلوم لديكم انه من بديهيات الطب, ان تقنيات توصيل الدواء الموجّه قد قطعت شوطاً مهما في هذا المسلك. فهناك حوامل دوائية ترتبط بجزيئات قادرة على التعرف على مستقبلات معينة في الخلايا، وأخرى صُممت لتتحرر كنتيجة للاستجابة لدرجة الحموضة والتي بدورها تتمايز عن الوسط المحيط بها. أوان شئت فقل بفعل تلك الإنزيمات الموجودة بتركيز أعلى في نسيج محدد بعينه, كما انه نظرا لتواجد أنظمة مبرمجة مسبقا على ان تتجاوب مع الحرارة أو الظروف الكيميائية المعقدة. وبذلك لا يكون وصول الدواء للمكان المطلوب تحديا كافيا في حد ذاته, فالأولى من ذلك هو التركيز على توقيت تحرره ومكان نشاطه ومفعوله فهو يحظى باهتمام أكثر وأثر ابلغ. ومع ذلك، لا يعني هذا الاستهداف الموجه أن الدواء لا ينفعل مطلقاً مع الأنسجة السليمة، بل ثبت ان من بوادر نجاحه هو سعيه الحثيث إلى رفع انتقائيته وتقليل آثاره الجانبية.

وقياسا على ذلك بالعودة للبنتونايت مجددا, ماذا لو استطعنا تصميم مادة الحفر حتى انها لتستجيب لمؤشر كيميائي أو فيزيائي معين في طبقة محددة وبشكل موجه؟ مادة تتغير لزوجتها أو درجة انتفاخها أو قدرتها على تكوين طبقة الترشيح فقط عندما تواجه ظروفاً خاصة في طبقة وحالة محددين مسبقا عند عمق معين؟ الفكرة ممكنة من حيث المبدأ في عالم المواد الذكية المستجيبة للمحفزات، لكن يبقى تحدي تحويلها إلى سائل حفر عملي محتاج إلى ضبط ودقة، لأن الاستجابة المقيدة في طبقة بذاتها قد يكون اقل جدوى منها بالمقارنة مع طبقة أخرى مغايرة. وربما تكون المواجهة الحقيقية هي في ألا تستجيب لكل متغير على حدة، بل أن نصممها في إطار التلبية المحسوبة لمجموعة من الظروف المتزامنة.

حالة الجمع بين التطبيقين, هندسة الطين وهندسة الدواء الذكي ليس هو في وجه التشابه في المواد، ولا في تطابق آليات العمل، بقدر ما هو في المشاطرة في صميم أصل وفي بساطة الفكرة الهندسية ذاتها. فبدلاً من فرض سلوك واحد على المادة الواحدة لكي تعمل في بيئات مختلفة، نحاول هنا تصميمها بحيث تتكيف مع الوسط التي تؤدي فيها وظيفتها المستهدفة على أكمل وجه. دعني اختم المقال بهذه الملحوظة العلمية, ان ما نشير اليه ليس ببعيد عن البحث التطبيقي؛ فقد نشرت بالفعل أبحاث عن سوائل حفر ذكية هادفة و قادرة على الاستجابة للحرارة والملوحة، وعن بنتونايت معدل كيميائيا، وبالمثل فان هناك بوليمرات تتجاوب مع الإنزيمات في توصيل الأدوية للعضو المستهدف (ScienceDirect). بكلمة واحدة فان المادة لا تحتاج ابدا إلى عقل كي تتصرف بذكاء؛ اذ يكفي أن نبرمج بنيتها الداخلية لتستجيب للظروف التي هي قد صُممت مسبقا من أجلها.


error: المحتوي محمي