قصة حدثت مع صديق. يقول: جاءني رجلٌ محدود الدخل، يحمل في يده فاتورة كهرباء، وفي قلبه رجاء، يرجو عونًا يُخفّف عنه أعباء الحياة، ويُعينه على ضيق الحال وقسوة المعاناة.
تأملت فاتورته، فإذا بقيمتها تفوق فاتورة منزلي، رغم أن شقته صغيرة، وأسرته أقل عددًا من أسرتي!
فسألته عن سرّ هذا الارتفاع، فقال: الحر شديد، والمكيفات لا تتوقف!
حاولت أن أتحدث معه عن ترشيد الاستهلاك، لا تقليلًا من حاجته، ولا انتقاصًا من كرامته، وإنما رغبةً في تخفيف أعبائه، وصيانة ماله، حتى لا تتحول فاتورة الشهر إلى همٍّ يتجدد، وحاجةٍ تتكرر، ودَينٍ لا يتبدد.
فقال بعفوية: «دام الخيرين أمثالك موجودين، إحنا بخير، وإذا ما دفعت أنت، غيرك يدفع!».
عندها أدركت أن بعض صور العطاء قد تُطفئ ألم الحاجة، لكنها لا تُطفئ أسبابها؛ وقد تُريح الإنسان من عبء اليوم، لكنها لا تُعينه على مواجهة الغد.
فليس السؤال: لماذا يطلب الفقير المساعدة؟ بل لماذا نكتفي بمساعدته على السداد، ولا نساعده على تقليل ما يستوجب السداد؟
وليس السؤال: لماذا يعمل المكيف؟ بل هل يعمل عند الحاجة، أم اعتدنا تشغيله حتى في غياب الحاجة؟
قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5].
وفي الآية الثانية توجيهٌ إلى صيانة المال وحسن رعايته، لا وصفٌ للفقراء بالسفه؛ فالفقر ابتلاء، والإسراف سلوك، وبينهما فرقٌ في المعنى والحكم.
وليس كل ارتفاعٍ في الاستهلاك إسرافًا؛ فقد يكون وراءه جهازٌ متهالك، أو عزلٌ ضعيف، أو حاجةٌ لا تحتمل التأجيل.
أيها المحسنون، لا تحرموا محتاجًا من عطائكم، ولكن اجعلوا مع العطاء إرشادًا، ومع المساعدة إصلاحًا، ومع الرحمة بصيرةً تُثمر اكتفاءً.
وأيها الأحبة، إن ترشيد النعمة ليس حرمانًا، والاقتصاد ليس بخلًا، وحسن التدبير ليس ضيقًا في العيش، بل سعةٌ في الرزق وراحةٌ في البال.
فأجمل الإحسان ما حفظ الكرامة، وأعظم العطاء ما خفف الحاجة، وأبقى أثره بعد انقضاء المساعدة.
اللهم أغنِ كل فقير، وأعن كل محتاج، وبارك لنا جميعًا في أرزاقنا؛ فما أحوجنا إلى قلوبٍ تجود، وعقولٍ تُحسن التدبير، وأيادٍ تُعطي، ونفوسٍ تصون النعمة من التبذير.



