31 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

بين فرّ الأنتن وبيت الحكايات تجارب تعلّمنا الكثير

السفر والتنقّل بين المدن والقرى والأحياء القديمة ليسا وسيلة لتغيير المكان، بل هما فرصة لاكتشاف تفاصيل جديدة، والاقتراب من حكايات الناس وذاكرتهم، والتعرّف على أشياء قد لا ننتبه إليها في زيارتنا الأولى. وكلما اتسعت دائرة تنقّلنا، زادت أسئلتنا، وأخذتنا بعض التفاصيل إلى حكايات لم تكن في الحسبان.

ومن هذه الرحلات، تعود بي الذاكرة إلى حكاية بدأت في طفولتي كغيري من جيلي ، ثم تجددت بعد أكثر من خمسين عامًا، في مكان بعيد عن القطيف.

تعود قصتنا إلى بداية السبعينيات الميلادية، حين كنا صغارًا، وكانت مشاهدة التلفزيون حدثًا ننتظره في أوقات محددة. أتذكر جيدًا جلوسنا أمام الشاشة لمتابعة برامج القناة السعودية، ومحطة الظهران بالأبيض والأسود، إلى جانب تلفزيون قطر والبحرين.

كان بطل هذه المشاهدات هو الأنتن، أو الإيريل، المثبّت على ( بيب)  ماسورة حديد فوق السطح. وكنا نتولى مهمة توجيهه يدويًا، فنلفّه يمينًا ويسارًا حتى تطلع و تستقيم الصورة وتصبح أكثر وضوحًا.

ولأن ماسورة الأنتن كانت ثقيلة، ويحتك بسطح البيت أو البلاط ، فقد كانت المهمة صعبة وتحتاج إلى قوة وجهد وصبر، خصوصًا عندما يطلب منا ( فره)  وتحريكه قليلًا إلى جهة معينة، ثم إعادته مرة أخرى حتى نحصل على أفضل صورة.
كانت معظم هذه المحاولات تجري قبيل المغرب وفي أول الليل، وهنا تبدأ الحكاية!

فالكهرباء كانت في بداياتها، ولم تكن إضاءة الأسطح كافية، وكان صعودنا إليها في الظلام يفتح بابًا واسعًا للخيالات. لا أدري، هل كان الأمر بسبب القصص التي نسمعها عن الجن والأرواح، أم بسبب خوفنا الطبيعي ونحن صغار، أم أننا كنا نختلق بعض الحكايات لنتهرب من الصعود إلى السطح؟

المهم، كنا نحسب حسابًا لكل خطوة، ونشعر أن هناك من ينتظرنا فوق، خصوصًا عندما نكون وحدنا. أما عند النزول، فالأمر يختلف؛ إذ ينتابك شعور بأن أحدًا سيمسكك من الخلف ويلاحقك، فتسرع في خطواتك، وربما تقفز فوق عدة درجات، حتى تصل إلى مكان جلوس اخوتك وأنت ( تنافخ) تلهث، وكأنك نجوت من مطاردة حقيقية!

وقد سمعت لاحقًا من كثيرين من أبناء جيلي حكايات ومشاعر مشابهة، ما جعلني أعتقد أن هذا الخوف لم يكن تجربة فردية، بل جزءًا من ذكريات طفولة مشتركة، صنعتها طبيعة المكان وقلة الإضاءة وما كانت تتناقله المجالس من حكايات.

ومرت السنوات، وكبرنا، واختفت تلك المشاعر وأصبحت من الماضي، إلى أن جاءتني تجربة أعادتني إليها بطريقة لم أتوقعها.

في عام 2019، وأثناء زيارة معمارية توثيقية لاكتشاف أحد الأحياء خارج القطيف ، كانت ترافقني أم مصطفى ، وصلنا إلى الموقع قرابة الساعة العاشرة والنصف صباحًا، وكان الجو شتاءً رايق وممتع ، وبعد جولة بالسيارة توقفت عند بيت كبير جدًا، متعدد الطوابق و المداخل والبوابات والنوافذ والنقوش ، ويبدو أنه كان في زمن مضى من البيوت المهمة في المنطقة.

تركت الحاجة في السيارة ونزلت للتصوير. وكعادتي في مثل هذه الزيارات الاستكشافية، ألتقط الصور سريعًا، وأعود لاحقًا إذا وجدت ما يستحق زيارة أخرى بوقت كافٍ ومعدات تصوير مناسبة.

هذا البيت استوقفني.!!!
دخلت إليه، وجذبني لون الجدران و الطين والطاري الأصفر والأخضر و الضوء المنساب من الشمسة إلى جدران واعمدة و حوي البيت، فكانت الإضاءة ناعمة ولافتة وجميلة، تحمل من الظلال والتكوينات ما يشجعني على التصوير. صعدت إلى الدور الأول، واندَمَجت في التقاط الصور بهاتفي، حتى مضى من الوقت أكثر مما كنت أنوي.

كان المكان هادئاً جداً ، وبعيدًا عن حركة الناس، و مهجورًا منذ مدة طويلة، ولذلك كنت حريصًا على إنجاز التصوير بسرعة والعودة إلى السيارة، حتى لا أُقلق من كانت ترافقني.

وبينما أنا منشغل بالتصوير، شعرت بعدم الارتياح ، وانقباض في القلب! ، لم أرَ شيئًا واضحًا أستطيع وصفه، ولم أسمع صوتًا محددًا أستطيع تفسيره، لكن شعورًا بالضيق بدأ يتسلل إليّ، وكأن وجودي في المكان غير مرحب فيه و لم يعد مقبولاً ومريحاً  !!! حاولت تغيير مكاني والانتقال إلى زاوية أخرى، إلا أن الشعور استمر، وأصبحت أميل إلى مغادرة المكان.

استعذت بالله وقرأت المعوذتين، كما أفعل عادة عندما أدخل أماكن مهجورة أو غير مأهولة، لكن انقباضًا وثقل بقي في داخلي ، هنا بدأ الصراع بين أمرين؛ الأول يقول لي إن ما أشعر به قد يكون مجرد وهم و توتر أو إيحاء صنعته أجواء المكان، والثاني يدفعني إلى الخروج ، لا إلى الخروج فحسب، بل إلى الإسراع في المغادرة.

هنا وفي هذه اللحضات ، تذكرت وأنا صغيراً !  فوق سطح البيت، عندما كنت أتردد في توجيه الأنتن، وأحاول إقناع نفسي بأن الخوف لا مبرر له، ومع ذلك أستعجل النزول لأصل إلى العائلة.

قلت لنفسي: يا حجي، اطلع، ولا تغامر. حتى لو كان الشعور وهمًا، فما الداعي إلى البقاء وأنت غير مرتاح؟ عدت إلى السيارة، ولاحظت أم مصطفى أنني لست على طبيعتي، فقلت لها: خلينا نطلع من الحي أول، وبعدها أعلمك وش اللي صار.وبعد أن ابتعدنا، أخبرتها بما حدث معي بالتفصيل. ولأن مشوارنا كان طويلًا، أخذنا الحديث إلى ذكريات الطفولة، وما يختلط فيها من الخوف والخيال والمواقف التي لا نجد لها تفسيرًا واضحًا.

لحظة
السالفة ماخلصت .
في عام 2021، وبعد أعمال تطوير الحي وتجديده، عدت مع أم مصطفى إلى الموقع نفسه. وحين وصلنا إلى البيت، وجدته على حاله، لم يطرأ عليه تغيير يُذكر. دخلت لوحدي، وكنت نسيت ما حدث في زيارتي السابقة، أو على الأقل لم يكن حاضرًا في ذهني. وما إن بدأت أتجول حتى عاد إليّ الشعور نفسه، بكل ما صاحبه من ضيق وعدم ارتياح. تذكرت ما حدث قبل سنوات، فخرجت مسرعًا، ولم ألتقط صورة واحدة. بعد ذلك، ومن خلال الاستفسار، علمت أن لهذا البيت حكايات أخرى يتناقلها بعض الناس، وأن آخرين تحدثوا عن تجارب ومشاعر مشابهة.

وهنا بقي السؤال الذي لا أملك له إجابة قاطعة: هل كانت تلك المشاعر ناتجة عن طبيعة المكان وعزلته، أم عن تأثير الحكايات المتداولة، أم أن هناك أمورًا لا نعرف تفسيرها؟ الله أعلم ، أنت ويش تقول !؟

لا أريد أن أضيف إلى الحكاية ما ليس فيها، ولا أن أجزم بتفسير لم أتحقق منه. أنا هنا أسجل تجربة شخصية كما عشتها، وأترك للقارئ الكريم مساحة للتأمل. هذه واحدة من حكاياتي التي تجمع بعض التفاصيل المزعجة والمواقف التي قد تبدو مضحكة عندما نستعيدها بعد سنوات طويلة.

الجميل في السفر والتنقل أنه لا يمنحنا صورًا للأماكن وحدها، بل يضعنا أحيانًا أمام تجارب تستدعي ذكريات قديمة، وتفتح أبوابًا للأسئلة والتأمل ، فبعض الرحلات نعود منها بصور نوثق بها المكان، وبعضها نعود منها بحكاية تبقى معنا سنوات طويلة، وتعلّمنا أن نراقب ما حولنا، وأن نفهم مشاعرنا، وألا نتعجل في تفسير كل ما نمر به.


error: المحتوي محمي