31 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

دردشة… بطعم القهوة

قبل عدة أعوام صادفت زميلا (أبو محمد) من دفعة الثانوية فطلب رقمي لغرض تجميع “الشياب” في قروب واتساب. تحقق ما أراد, ولكن لايزال الالتقاء الواقعي بالأعضاء صعبا بل ونادرا, بعد ان تقاذفتنا أمواج الحياة والعمل والتقاعد الى شواطئ شتى.

لم أكن أخطط لأكثر من فنجان قهوة هادئ، حين قابلت (أبو حسن) وهو أحد “شياب” تلك القروب, وممن عرفت عنه من خلالها شغفه القديم بالرياضيات، بينما هو يتذكر عني أنني كنت أيضا من محبي حصة الفيزياء في أيام الثانوية. فاذا بي أصبحت الان من هواتها فيما بعد التقاعد. ربما أجد في نفسي متعة خاصة في تتبع أسئلتها خصوصا تلك التي لا أملك لها جوابًا وملاحقة ما يختبئ خلف الظواهر الطبيعية, في الوقت الذي كان هو يميل فيه بشدة إلى لغة الأرقام والمعادلات.

بعد التحية المطولة و”الهياط” المتبادل الممزوج بالابتسامة والاحترام، من قبيل (شيبت يبو علي) و (اما انت يبو حسن فما شاء الله سيراميك)!! جلسنا إلى طاولة بالقرب من النافذة، ولم تمضِ دقائق حتى بادرته وأنا أراقب قطرات الرطوبة تنساب على الزجاج من خلفه «أتعرف ما يدهشني؟ أحياناً أشعر أن الرياضيات تعرف عن الكون أشياء لم تخبرنا بها حواسنا بعد. مبتسما “الرياضيات لغة الطبيعة!”. فقلت له: ربما هي لغتنا نحن في قراءة الطبيعة، وهناك فرق بين أن نمتلك لغة نصف بها الشيء، وأن نحيط بحقيقته. وضع فنجانه على الطاولة، ونظر إليّ كأنه يستعد للدفاع عن الرياضيات، فقلت في نفسي إن القهوة قد تطول في هذه الجلسة.

هز رأسه نافيًا, ثم أردف قائلا: «هنا يأتي دوركم يا شياب الفيزياء. الرياضيات تستطيع أن تثبت لكم أن نتيجة معينة تتولد من مجموعة من الفرضيات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تثبت أن الطبيعة تعمل وفق تلك الافتراضات. لا بد لنا من التدعيم من خلال التجربة والقياس». أعجبني ذلك التفصيل، فقلت: «إذن، فقد نبني معادلة متماسكة تمامًا، ثم نكتشف أن العالم لا يتصرف كما توقعنا وخططنا له؟». قال: «بالضبط. عندها لا تكون التجربة قد هزمت الرياضيات، بقدر ما انها قد كشفت أن النموذج الذي كنا قد اخترناه لا يزال هو عاجز عن ان يصف الواقع بدقة متناهية كما ينبغي له». تذكرت حينها القوة التي تربط مكونات النواة، فسألته: «نحن لا نرى هذه الطاقة، فكيف نعرف أنها فعلا موجودة؟». أجابني: «من خلالكم نقيس طاقات الترابط، ونرصد نتائج التفاعلات، ثم نستخدم الرياضيات لبناء نموذجا يفسر ملاحظاتنا ويتنبأ بنتائج جديدة. لذا فان نجاح النموذج في هذه التجارب هو ما يمنحنا الثقة به وبدقته».

عندها انتقلت بالحديث عن القوة داخل النواة، وتساءلت كيف تبقى البروتونات متماسكة اصلا، مع أن شحناتها الكهربائية المتشابهة يفترض بها أن تكون على أهبة التنافر؟ هنا تظهر القوة الشديدة، التي تعمل على مسافات صغيرة جداً، وتؤدي دوراً أساسياً في تماسك مكونات النواة. قال صاحبي: أليست هذه معجزة الرياضيات؟ نحن نستطيع وصف قوة لم نرها، ونحسب آثارها، بل ونبني عليها فهماً لتركيب المادة؟ اتفق معك, فان غاية الدهشة ياصديقي لا يقتصر على المعادلة وحدها، بل يتعداها الى القدرة على اثباتها مخبريا.

لم اترك له فرصة ليلتقط أنفاسه حتى انتقلت إلى التوسع في الحديث عن ظاهرة الضوء. دعني أسألك سؤالاً بسيطاً؛ عندما يسقط شعاع على مرآة وينعكس على سطحها، هل يتوقف لحظة ثم يتولد من جديد، أم أن الضوء الذي وصل هو نفسه الذي للتو قد غادر المرآة؟ أجاب بسرعة: بل انه يرتد كما ترتطم الكرة على الجدار. تبسمت، فقد وجدت مدخلاً مناسباً. فالضوء ليس كرة صغيرة تصطدم بسطح صلب، وإنما هي مجال كهرومغناطيسي، ويمكن وصفه كمياً بفوتونات. فعندما يصل إلى المرآة، يتفاعل مجاله الكهربائي مع الإلكترونات الموجودة في المادة، فتستجيب هذه الإلكترونات وتعيد إشعاع المجال بصورة منظمة , فيخيل الينا كما لو اننا نراها انعكاساً. علق باندهاش واضح: عجيب!!! تقصد اننا نحن نرى النتيجة بوضوح، لكننا لا نجد سبيلا لاستنطاق ما حدث فعلا من خلال سرد التفاصيل! ربما لهذا السبب أكن كما من الحب والمتعة بالفيزياء؛ فهي تجعل الأشياء التي ألفناها تستعيد دهشتها ورونقها. ضحك صاحبي وقال: يبدو أنك لن تترك لي شيئاً بسيطاً في هذا العالم! قلت: لا تقلق، سأترك لك القهوة، فهي حتى الآن لم تدخل بعد في دائرة “راداري”.

بدى أن صاحبي، الذي صرت أسميه مازحاً «أبا الرياضيات»، قرر أن يفتح باب الفضاء، فألقى سؤاله علي ومن دون مقدمات: حسناً، كيف سنعود من المريخ؟ أطرقت براسي هنيئة فتذكرت ندوة على النت كنت قد حضرتها تفصل في تحديات الرحلة إلى المريخ، وما قد خرجت به من أفكار بسيطة وسط تفاصيل هندسية معقدة. فأجبته: تخيل أننا نستطيع الاستفادة من المواد الموجودة هناك، بدلاً من حمل كل احتياجات رحلة العودة الى الأرض, من الارض. شرحت له مع أن الغلاف الجوي للمريخ يتكون في معظمه من ثاني أكسيد الكربون، وكيف أن تجربة «موكسي» التي حملتها مركبة المثابرة نجحت في استخراج الأكسجين من ثاني أكسيد الكربون. استمتع صاحبي بالحديث، ثم سألني: تقصد ان تقول اننا سنذهب إلى المريخ ومعنا مصنع صغير؟ فصلت له بالقول: تقريباً، لكن لا تتوقع أن تجد عاملاً هناك يملأ خزان المركبة قبل الإقلاع!

ختمنا الجلسة بضحكة ود ومحبة. ثم سكت أبو الرياضيات قليلاً، وقال: يبدو أن العودة من المريخ أصعب من انعكاس الضوء. قلت له: ربما، لكن ما يثيرني في الموضوع أن الإنسان لم يعد يفكر في الفضاء بلحاظ كونه فراغاً يتحتم عليه عبوره، ها هو قد بدأ يبحث في موارده، ويحول البيئة الصعبة في المريخ إلى جزء من الحل نفسه. نهض صاحبي، وحمل فنجانه الفارغ، ثم قال: في المرة القادمة سأختار موضوعاً لا تستطيع أن تسرح وتمرح فيه بعيداً. وافقته: اختر ما تشاء، لكن بشرط أن تحضر القهوة معك وانا سأجلب التمر؛ ولنجعل جلستنا القادمة على الكورنيش في يوم قليل الرطوبة, فقد اكتشفنا اليوم أن العودة من المريخ ممكنة نظرياً، أما العودة إلى البيت دون أن استرجع حديثي الممتع معك، فتلك مسألة لم تحلها الرياضيات بعد …


error: المحتوي محمي