جميلة هي الحياة التي عنوانها «المسامحة».
كانت كلمة «سامحني» من المفردات الدارجة في حياتنا الاجتماعية فيما مضى؛ تدخل في كل حوار، وترافق كل لقاء، ولا تغيب عن لحظات الوداع.
كنا نسمعها تتردد على ألسنة الكبار، وربما لم نكن ندرك حينها عمق معناها، ولا سر حرصهم على تكرارها في مناسبات مختلفة. لكننا حين كبرنا، وأدركتنا تجارب الحياة، فهمنا أن أولئك الذين اعتادوا ترديدها كانوا متصالحين مع أنفسهم أولاً، ومتسامحين مع الآخرين ثانياً.
مضوا من هذه الدنيا، وبقيت مفردتهم حيّة، تتردد على ألسنتنا، وتطرق أسماعنا في مختلف الظروف، حتى في أصعب لحظات الفراق، ومنها الطلاق؛ إذ تبقى المسامحة قيمة إنسانية لا ينبغي أن تسقط حتى حين تنتهي بعض العلاقات.
ولعل البعض يستغرب أن للمسامحة لغة أخرى نسمعها عند السفر والوداع، حين يقول المودّع للمسافر: «أبرئ ذمتي»، فيجيبه المسافر: «أبرأت ذمتك».
بل قد يتبادل الطرفان العبارة ذاتها، فيقول أحدهما: «سامحني وأبرئ ذمتي»، فيجيبه الآخر: «وأنت كذلك». وهنا تكمن روعة هذا الأدب؛ فحتى في الرد حرص على حفظ ماء الوجه، وإبقاء باب المسامحة مفتوحاً، دون عتاب أو عوائق نفسية قد يتركها العتاب الثقيل. إنها كلمات تمنح الطرفين فرصة للمغادرة بسلام داخلي؛ فالمسامحة إحسان متبادل، ينتفع به من طلبها ومن منحها.
عبارة قصيرة، وكلمات بسيطة، لكنها تحمل ثقلاً وجدانياً كبيراً؛ فيها اعتراف بحقوق الآخرين، وحرص على سلامة القلوب، ورغبة في ألا يبقى في النفس شيء من عتب أو ملامة.
وهنا تتجلى قيمة الأدب الاجتماعي؛ فلم تكن «سامحني» و«أبرئ ذمتي» مجرد مفردات اعتاد الناس تداولها، بل كانتا جزءاً من أدب اجتماعي تشربته النفوس، ومارسته في تفاصيل حياتها اليومية. أدب لم تكتبه اللوائح، ولم تفرضه الأنظمة، وإنما صنعته التربية، وعززته العشرة، وحفظته المروءة وحسن المعاملة.
فالإرث الاجتماعي لا يقف عند حدود الموروث المادي، من بيوت وأدوات ومقتنيات وصور تحفظ ذاكرة المكان والإنسان، بل إن هناك إرثاً أعمق وأبقى، يتمثل في الأدب الاجتماعي؛ في طريقة الحديث، وحسن اللقاء، وطيب الوداع، واحترام الحقوق، والمبادرة إلى المسامحة.
ذلك الإرث الذي لا تحفظه المتاحف، ولا تختزله الصور، وإنما تحفظه النفوس وتنقله الأجيال عبر التربية والممارسة وحسن المعاملة.
لقد كانت تلك الكلمات أكثر من مجرد عادة اجتماعية؛ كانت ثقافة تصنع الطمأنينة، وتحفظ الود، وتخفف من تراكم العداوات. ولعلنا نلمس اليوم، ونحن نستعيدها، كم كانت العلاقات أكثر متانة، والنفوس أصفى، والخصومات الاجتماعية أقل.
ما أجمل أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نفترق دون أن نتباغض، وأن نغادر لقاءاتنا وقد تركنا خلفنا قلوباً مطمئنة لا مثقلة بالعتب.
فالمسامحة ليست ضعفاً، ولا تنازلاً عن الحقوق، بل سموّ نفس تعرف أن سلامة الصدر مكسب، وأن طيب الأثر أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله.
لقد كان للأدب الاجتماعي حضور يجعل الكلمة الطيبة ميثاقاً، والمسامحة ثقافة، وصفاء النفوس قيمة لا تحتاج إلى مناسبة كي تُمارس.
كانت كلمة «سامحني» من المفردات الدارجة في حياتنا الاجتماعية فيما مضى؛ تدخل في كل حوار، وترافق كل لقاء، ولا تغيب عن لحظات الوداع.
كنا نسمعها تتردد على ألسنة الكبار، وربما لم نكن ندرك حينها عمق معناها، ولا سر حرصهم على تكرارها في مناسبات مختلفة. لكننا حين كبرنا، وأدركتنا تجارب الحياة، فهمنا أن أولئك الذين اعتادوا ترديدها كانوا متصالحين مع أنفسهم أولاً، ومتسامحين مع الآخرين ثانياً.
مضوا من هذه الدنيا، وبقيت مفردتهم حيّة، تتردد على ألسنتنا، وتطرق أسماعنا في مختلف الظروف، حتى في أصعب لحظات الفراق، ومنها الطلاق؛ إذ تبقى المسامحة قيمة إنسانية لا ينبغي أن تسقط حتى حين تنتهي بعض العلاقات.
ولعل البعض يستغرب أن للمسامحة لغة أخرى نسمعها عند السفر والوداع، حين يقول المودّع للمسافر: «أبرئ ذمتي»، فيجيبه المسافر: «أبرأت ذمتك».
بل قد يتبادل الطرفان العبارة ذاتها، فيقول أحدهما: «سامحني وأبرئ ذمتي»، فيجيبه الآخر: «وأنت كذلك». وهنا تكمن روعة هذا الأدب؛ فحتى في الرد حرص على حفظ ماء الوجه، وإبقاء باب المسامحة مفتوحاً، دون عتاب أو عوائق نفسية قد يتركها العتاب الثقيل. إنها كلمات تمنح الطرفين فرصة للمغادرة بسلام داخلي؛ فالمسامحة إحسان متبادل، ينتفع به من طلبها ومن منحها.
عبارة قصيرة، وكلمات بسيطة، لكنها تحمل ثقلاً وجدانياً كبيراً؛ فيها اعتراف بحقوق الآخرين، وحرص على سلامة القلوب، ورغبة في ألا يبقى في النفس شيء من عتب أو ملامة.
وهنا تتجلى قيمة الأدب الاجتماعي؛ فلم تكن «سامحني» و«أبرئ ذمتي» مجرد مفردات اعتاد الناس تداولها، بل كانتا جزءاً من أدب اجتماعي تشربته النفوس، ومارسته في تفاصيل حياتها اليومية. أدب لم تكتبه اللوائح، ولم تفرضه الأنظمة، وإنما صنعته التربية، وعززته العشرة، وحفظته المروءة وحسن المعاملة.
فالإرث الاجتماعي لا يقف عند حدود الموروث المادي، من بيوت وأدوات ومقتنيات وصور تحفظ ذاكرة المكان والإنسان، بل إن هناك إرثاً أعمق وأبقى، يتمثل في الأدب الاجتماعي؛ في طريقة الحديث، وحسن اللقاء، وطيب الوداع، واحترام الحقوق، والمبادرة إلى المسامحة.
ذلك الإرث الذي لا تحفظه المتاحف، ولا تختزله الصور، وإنما تحفظه النفوس وتنقله الأجيال عبر التربية والممارسة وحسن المعاملة.
لقد كانت تلك الكلمات أكثر من مجرد عادة اجتماعية؛ كانت ثقافة تصنع الطمأنينة، وتحفظ الود، وتخفف من تراكم العداوات. ولعلنا نلمس اليوم، ونحن نستعيدها، كم كانت العلاقات أكثر متانة، والنفوس أصفى، والخصومات الاجتماعية أقل.
ما أجمل أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نفترق دون أن نتباغض، وأن نغادر لقاءاتنا وقد تركنا خلفنا قلوباً مطمئنة لا مثقلة بالعتب.
فالمسامحة ليست ضعفاً، ولا تنازلاً عن الحقوق، بل سموّ نفس تعرف أن سلامة الصدر مكسب، وأن طيب الأثر أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله.
لقد كان للأدب الاجتماعي حضور يجعل الكلمة الطيبة ميثاقاً، والمسامحة ثقافة، وصفاء النفوس قيمة لا تحتاج إلى مناسبة كي تُمارس.



