28 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من قصاصات القمامة إلى عالم الأدب.. «السنونة» يروي حكاية «نساء قريته» ويكشف سرّ عشتار تاروت

حوّل القاص حسين السنونة، ابن جزيرة تاروت بمحافظة القطيف، شغفه بالقراءة منذ طفولته، رغم مستواه الدراسي الذي وصفه بأنه أقل من المتوسط، إلى رحلة أدبية أثمرت ستة إصدارات، مستعيدًا في أحدث أعماله «القاص الذي أخرج نساء قريته من الجنة» حكاية طفل كان يبحث عن بقايا الكتب والمجلات والصحف بين أكوام القمامة، قبل أن يجد طريقه إلى عالم القصة، ويصبح اسمًا حاضرًا في المشهد الأدبي.

واستعرض السنونة في إصداره السادس، الصادر عن دار «كلمات» المصرية، ضمن مشروع توثيق السير الذاتية لأعضاء «منتدى صهيل الكلام»، الذي يديره الشاعر علي مكي الشيخ، محطات من حياته وعلاقته بالقراءة والكتابة، والشخصيات الأدبية التي أسهمت في تشكيل تجربته، إلى جانب حضور قلعة تاروت وعشتار في ذاكرته ومخيلته القصصية.

واستعاد بدايات تعلقه بالكلمة، موضحًا أنه كان يحلم منذ طفولته بأن يصبح شخصًا يترك أثرًا في الحياة، رغم تعثره الدراسي، إذ وجد في حصة التعبير المدرسية متنفسًا لطموحه، قبل أن يقوده عشقه للقراءة إلى البحث عن أي كتاب أو مجلة أو صحيفة مهملة، ليحمل ما يعثر عليه إلى منزله، وينفرد بقراءته مرات متكررة.

وكشف عن تحول مهم في حياته، بدأ عندما قُبل والده وأخوه الأكبر للعمل في شركة أرامكو، وهو الحدث الذي وصفه بأنه «أجمل استنفار في الكون»، بعدما أسهم في زيادة مصروفه اليومي، ومكّنه من شراء الكتب والمجلات والصحف خلال الإجازات المدرسية.

وأوضح أن والده، الذي كان يجيد أعمال النجارة، لاحظ تعلقه بالقراءة، فصنع له مكتبة صغيرة يحتفظ فيها بمقتنياته، في حين كان إخوته يرون أن انشغاله بالكتب يأتي على حساب تحصيله الدراسي، مؤكدًا أن تلك المرحلة شكّلت البداية الحقيقية لعلاقته بالكتاب والكتابة.

عشتار تاروت.. ملكة ألهمت القاص

واستحضر السنونة حضور عشتار في وجدانه، واصفًا إياها بـ«ملكة قلعة تاروت»، ومؤكدًا أنها كانت مصدر إلهام دفعه إلى اكتشاف قدرته على السرد، حتى إنه كان يتخيلها تخاطبه وتحثه على أن يصبح قاصًا.

وقال في حديث خاص لـ«القطيف اليوم»: «لعشتار تأثير ساحر على أدباء جزيرة تاروت؛ فقد نشأنا ونحن نرى قلعتها، ونقرأ عنها، ونتقصّى كل ما يخصها، حتى باتت لنا علامة وأسطورة راسخة».

وبيّن أن قلعة تاروت والبحر والأشجار والمياه والبشر يشكّلون حالة استثنائية في ذاكرة أبناء الجزيرة، مشيرًا إلى أن عشتار، رغم شح المعلومات المرتبطة بها، ما زالت حاضرة في الوجدان الثقافي المحلي، وأنها تستحق أعمالًا أدبية تليق بمكانتها في مخيلة أبناء تاروت.

ووصف علاقته بالقلعة بأنها تتجاوز المكان إلى الشعور بالانتماء إلى التاريخ، مستحضرًا مشاهد تخيّل فيها عشتار تلوّح له بإحدى يديها، وتحمل في الأخرى قلمًا وورقًا، وكأنها تدعوه إلى كتابة حكاية القلعة التي بقيت شاهدة على تعاقب الأزمنة.

وأشار إلى أن عشتار ترتبط بمعتقدات حضارات بلاد الرافدين القديمة، ومنها البابلية والآشورية والأكدية، وعُرفت لدى السومريين باسم «إنانا»، موضحًا أن حضورها في تجربته الأدبية يأتي من ارتباطها الرمزي بتاريخ تاروت وما يحيط بقلعتها من حكايات وأساطير.

من زكريا تامر إلى أول قصة

واستعرض السنونة بدايات قراءاته القصصية، التي انطلقت مع أعمال عدد من الأدباء المصريين، ومنهم يوسف إدريس ونجيب محفوظ، إلا أن افتقاده الثقة بقدرته على الكتابة حال دون خوضه التجربة في تلك المرحلة.

وكشف أن قراءته أعمال القاص السوري زكريا تامر، ومنها «صهيل الجواد الأبيض» و«الحصرم» و«دمشق الحرائق»، أحدثت تحولًا في نظرته إلى القصة، بعدما وجد في نصوصه انعكاسًا لحياته وعائلته وأصدقائه وأحلامه.

وقال: «رأيت في قصص زكريا تامر نفسي وأمي وأخي وأصدقائي وأحلامي»، مشيرًا إلى أن تلك القراءات دفعته إلى كتابة قصته الأولى «آخرون كانوا هنا»، التي استقبل إنجازها بفرح بالغ، وكأنه يبشّر بمولود جديد.

وأكد أن زكريا تامر يمثل بالنسبة إليه مدرسة أدبية تعلم منها فن الكتابة القصصية، واصفًا نصوصه بالساحرة، لما تحمله من قدرة على استحضار الوجع الإنساني والتأثير في القارئ.

«نساء قريتي».. عنوان أشعل النقد

وتتبع السنونة مراحل تطور تجربته، بدءًا من «آخرون كانوا هنا»، مرورًا بـ«ثرثرة خلف المحراب»، التي حظيت باهتمام النقاد والقاصين، وصولًا إلى «أقنعة من لحم»، التي عدّها نقطة تحول بارزة في مسيرته القصصية.

وكشف أن مجموعته «نساء قريتي لا يدخلن الجنة» أثارت موجة من النقد، ولا سيما من الناقدات، بسبب عنوانها اللافت، مؤكدًا أنه يولي عناوين أعماله اهتمامًا كبيرًا، ويستغرق وقتًا طويلًا في صياغتها، سعيًا إلى تقديم عناوين مثيرة ومدهشة وصادمة.

وأوضح أنه توقف عن إصدار الأعمال القصصية لأكثر من عامين، بحثًا عن تجربة مختلفة، قبل أن يعود بمجموعة «ترانيم طفل من جزيرة عشتار»، التي رأى أنها حققت ما كان يتطلع إليه، استنادًا إلى آراء أصدقائه والنقاد.

واستعاد لحظة عودته إلى قلعة تاروت بعد تلك التجارب، حين جلس بجوار أبوابها، وتلمّس جدرانها، متخيلًا أنه يخاطب عشتار قائلًا: «ها قد كتبت القصة»، قبل أن يتخيل صوتًا يجيبه بأنه أصبح قاصًا، لكنه لم يكتب بعد عن الملكة عشتار.

تاروت.. شعراء بارزون وحضور قصصي أقل

وأشاد السنونة بالحركة الأدبية في جزيرة تاروت، مؤكدًا أنها تحتضن أسماء شعرية بارزة، من بينها شفيق العبادي، ومحمد الماجد، وأحمد الرويعي، ومهدي بن حسين، وحبيب المعاتيق، وغيرهم من المبدعين الذين أسهموا في إثراء المشهد الثقافي.

ولفت إلى أن حضور النقاد وكتّاب القصة والرواية والمسرح في الجزيرة أقل كثافة مقارنة بالشعراء، مثمنًا الدور الذي أداه الروائي سلمان عيد في تشجيعه ومتابعة تجربته منذ بداياتها، ومشيدًا بقدرات القاص جعفر البحراني وإلمامه بفلسفة عناصر القصة وأدواتها الفنية.

الرواية الأولى.. تردد أمام تجربة جديدة

وأقر السنونة بأنه ما زال مترددًا في خوض تجربة كتابة الرواية، رغم تشجيع الأصدقاء والنقاد، بسبب ما يراه من متطلبات فنية ومعرفية لهذا الجنس الأدبي، تشمل الاطلاع الواسع والعمق الفلسفي والإلمام بتقنيات الكتابة الروائية.

وأوضح أن رؤيته بشأن هذه الخطوة قد تتضح خلال العام الجاري أو مطلع العام المقبل، مشيرًا إلى أنه يقتدي بزكريا تامر، الذي ظل وفيًا لفن القصة القصيرة دون أن يتجه إلى كتابة الرواية.

سيرة ذاتية تكشف عالمه القصصي

وتحدث السنونة عن تردده الأولي عندما طُلب منه توثيق سيرته الذاتية، متسائلًا عما يمكن أن تقدمه تجربته للقارئ، ومدى قدرته على نقل أحداث حياته بصدق وأمانة، في ظل وجود شخصيات أخرى عاشت تجارب أوسع ولم تدوّن سيرها.

وأوضح أنه قرر في نهاية المطاف كتابة جانب من عالمه القصصي، مستعرضًا بداياته والشخصيات الأدبية العربية التي أثرت في تكوينه، إلى جانب تخصيص مساحة للدراسات والمواد النقدية التي تناولت تجربته، وحوار صحفي سابق، وشهادات مختصرة حول أعماله، ونماذج من نصوصه القصصية.

وأعرب عن سعادته بما حققه الكتاب من انتشار، كاشفًا عن توزيع أكثر من 150 نسخة حتى الآن، وتلقيه اتصالات من خارج المملكة لطلب نسخ منه، معتبرًا أن وصول تجربته إلى القراء، واهتمام أبناء مدينته بها، من أجمل اللحظات التي يعيشها الأديب.

الذكاء الاصطناعي.. تحدٍ أمام الأدب

وحذّر السنونة من التحديات التي تواجه الإبداع الأدبي في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي، وظهور كتّاب يعتمدون عليه في إنتاج نصوصهم، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي أمام الكاتب يتمثل في تقديم أعمال متفردة ومدهشة تحمل بصمته الخاصة.

وكشف عن استعداده لإصدار مجموعتين قصصيتين جديدتين، هما «المجانين عائدون إلى الأرض» و«اثنا عشر مرحاضًا لرجل واحد»، في إطار سعيه إلى مواصلة التجريب وتقديم أعمال مختلفة في عالم القصة.

«صهيل الكلام» يوثّق تجارب الأدباء

وثمّن السنونة جهود القائمين على مشروع توثيق السير الأدبية، وفي مقدمتهم الشاعر علي مكي الشيخ والشاعر إبراهيم الزين، مؤكدًا أن المبادرة أسهمت في التعريف بتجارب الشعراء والنقاد والقاصين، وفتحت المجال أمام تواصلهم مع نخب ثقافية من المملكة ومختلف أنحاء العالم العربي.

واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية استمرار المبادرات التي تحفظ تجارب الأدباء وتوثّق مسيرتهم، مشيرًا إلى أن مشروع إصدار السير الذاتية أتاح التعرف على شخصيات أدبية جديدة، وعرّف القراء بتجارب إبداعية تستحق الاهتمام.

ويُذكر أن القاص حسين السنونة أصدر ستة أعمال، هي: «آخرون كانوا هنا»، و«ثرثرة خلف المحراب»، و«أقنعة من لحم»، و«مجرد معطف»، و«ترانيم طفل من جزيرة عشتار»، وأحدثها «القاص الذي أخرج نساء قريته من الجنة»، الصادر عن دار «كلمات» المصرية.


error: المحتوي محمي