تتفق البشرية في معظم مفاهيم الحياة الأساسية إلا ما ندر، وتقف فكرة الزواج في صدارة هذه المفاهيم، فالزواج ليس مجرد خيار، بل هو الركيزة الأولى لاستقرار الفرد وبناء مجتمع محصَّنٍ متعفف، ناهيك عن كونه عبادة وامتثالاً لأمر الله وسنة نبيّه.
غير أن واقع الحياة اليومية يكشف لنا عزوف بعض الشباب — رجالاً ونساءً — عن هذه السُنّة، ولكلٍّ منهم مبرراته الخاصة، وإن كانت في مجملها مبررات تنقصها المنطقية.
كان “ناصر” واحداً من هؤلاء، شابٌّ خطت به السنون لتتجاوز عتبة الأربعين وتقترب حثيثاً من الخمسين، غير أن عنايته الفائقة بمظهره وأناقة ملابسه كانت تخلع عليه شباباً يظهره أصغر من سنّه الحقيقي. حمل ناصر قناعات راسخة دفعت به بعيداً عن فكرة الزواج وتكوين الأسرة، على الرغم من أنه موظف يتقاضى راتباً ميسوراً يكفل له بناء بيت دافئ.
عجز والداه وإخوته عن إقناعه بالزواج، حتى تصاعدت النقاشات بينهم إلى شجار وجفاء وخصام، ولم تكن حاله مع أصدقائه بأفضل من ذلك.
مع الأيام، تشبّث ناصر بموقفه وتشدد في قناعاته، بل وأخذ ينشر صورة قاتمة وسلبية عن الزواج بين من يلقاهم من الشباب، حتى صار حديث المجالس، وبدأ بعض أقرانه يكيلون له الاتهامات دون تريّث أو تثبّت.
وفي ليلة من الليالي، بينما كان الأصدقاء يجلسون في ديوانيتهم المعتادة، أقبل عليهم ناصر كعهدهم به، في أبهى صور أناقته، يحمل في يده سبحة من العقيق اليماني تزدان بخرزات مطلية بالفضة، وسَبقته عبق عطره الفواح إلى صدر المجلس قبل أن يقترب ويجلس.
رفع يده المُمسكة بالسبحة ملوحاً بالسلام، ثم جلس. رد الحضور السلام ورحبوا به، وما إن استقر في مجلسه حتى تبادل الشباب نظراتٍ صامتة، وكأنهم كانوا على موعدٍ ينتظرون فيه قدومه.
تقدم “عبد العزيز” وجلس إلى جواره، وربت على كتفه بابتسامة مصطنعة قائلاً:
— “حيَّ الله شيخ الشباب ناصر “
ردّ ناصر وهو يداعب حبات سبحته:
— “حياك الله يا أخي عبد العزيز.”
جال عبد العزيز بنظراته بين الحضور وكأنه يستأذنهم في الحديث، ثم التفت إلى ناصر وقال:
— “دعنا نتحدث بصراحة يا ناصر.. لماذا كل هذا التأخير عن الزواج؟ نحن نحبك ونتمنى لك حياة زوجية سعيدة، انظر حولك، كل من هم في عمرك يرفلون في نعم البنين والبنات، ويعيشون سعادة استقرارهم.”
اعتدل ناصر في جلسته، وأخذ يتأمل الوجوه وهو يهز رأسه إلى الأعلى والأسفل، ثم عض على شفته السفلى وشخص ببصره نحو عبد العزيز، وأطلق ضحكة ساخرة تحمل طابع الاستنكار وقال:
— “أتمنى أن يكون كلامك صحيحاً، دعنا نأخذ مثالاً حياً من الحضور..”
أشار بيده نحو “جمال” وتابع:
“هذا جمال، منذ سنوات وهو في نزاع دائم مع زوجته، يطالبها بالتخلي عن وظيفتها لتهتم بالأطفال، حتى أوشك ارتباطهما على الانهيار.
قاطعه عبد العزيز بنبرة هادئة:
جمال مقتدر الحال يا ناصر، وأراد أن تتفرغ زوجته لرعاية أبنائهما بدلاً من إيداعهم الحضانات ورياض الأطفال أثناء ساعات العمل، وقد تجاوزا هذه العقبة بسلام.
التفت جمال نحو ناصر وأشار إبهامه بالنفي قائلًا:
هذا ليس مبرراً لك يا ناصر.. لكل منا ظروفه الخاصة، وليس بالضرورة أن تنطبق تجربتي أو تجارب غيري عليك.
سرعان ما اشتد الحوار بين ناصر وأصدقائه، وانقسم المجلس بين هجوم على أسلوبه وبين راغبٍ في إنهاء هذا الحوار.
هنا، وضع عبد العزيز يده مجدداً على كتف ناصر وتنهد بحرارة قائلاً:
دعنا من هذا الجدال يا صديقي.. دعنا نضع حداً لهذا الموضوع. نحن لا نرتضي لك أن تمضي حياتك هكذا، بلا زوجة ولا ولد. ثق تماماً أن الأسرة هي ملاذ الاستقرار النفسي والاجتماعي، وأن السعادة الحقيقية تكمن في تلك التفاصيل التي تعيشها مع عائلتك، حين تتأخر يقلقون عليك، وحين تمرض يتسابقون لرعايتك، وحين تطأ قدمك البيت يستقبلك أطفالك ببهجة وفرح.. عندها فقط ستدرك أن كل مشاق الحياة تتلاشى أمام لحظة واحدة من هذه اللحظات التي لا تُقدر بثمن.
كانت كلمات عبد العزيز تنساب وكأن إلهاماً نورانياً قد نزل عليه، فخرجت الكلمات من أعمق نقطة في قلبه لتسلك طريقها المباشر إلى قلب ناصر، حتى ذُهل الأصدقاء من طلاقه لسانه وبلاغته وكأنهم ينصتون إلى خطيب بارع.
في تلك اللحظة، شعر ناصر بشيء يضطرب في أعماق صدره وتحركت مشاعره الدفينة. لم يقاطع الحديث كما كان يفعل دائماً، بل بدت غشاوةٌ كثيفة وكأنها انقشعت عن عقله، فأخذ يتفكر في كل كلمة بأذن صاغية وقلب واكَبَهُ الوعي.
أطال النظر في وجوه أصدقائه وتأمل ملامحهم جيداً، فاستشعر لأول مرة حجم الفراغ والنقص الذي عاشه طوال سنوات عمره، وأدرك أن ثمة حلقة مفقودة تائهة في مجرى حياته.
فرك سبحته بكلتا يديه وهو يتأمل التجاعيد والتغيرات التي بدأت تطرأ على بشرة يديه، ثم قبض عليها بقوة وأودعها جيبه. نهض من مجلسه وسار بخطوات صامتة نحو الباب دون أن يتكلم بكلمة واحدة، وكأن قوة خفية قد ربطت لسانه.
توارى طيفه عن أنظار الأصدقاء، تاركاً خلفه سؤالاً واحداً يتردد في أذهان الجميع: هل ما زال هناك بصيص من أمل ليبدأ ناصر حياته من جديد قبل أن يفوت الأوان؟



