27 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

حياتنا هي حصيلة كل الأبواب التي عبرناها.. عندما يكون الضياع هو بداية العثور على الذات

إهداء إلى كل قلب يشعر بالانفصال عن ذاته، وكل روح أنهكها القلق من المستقبل، وكل شخص يمر بمرحلة انتقالية ويحتاج أن يسمع: لم تضع، أنت فقط على العتبة.

هل تشعر بأنك فقدت صلتك بمن كنت عليه؟ هل تشعر بأنك فقدت نفسك وأنت على قيد الحياة؟

ربما دفعتك ظروف الحياة في اتجاهات شتى حتى لم تعد تدرك من تكون الآن. أو ربما، وأنت تحاول التأقلم مع متغيراتها، ابتعدت عن أحلامك وقيمك وثقتك التي كانت يوماً بوصلتك.

ولكن، ماذا لو كان هذا الشعور بالضياع في حد ذاته، هو أوضح إشارة على أنك تقترب من العثور على ذاتك؟ وماذا لو كان دليلاً على أنك بدأت تنصت أخيراً إلى حكمتك الداخلية وتدرك حقيقتك الجوهرية؟

عندما يُفتح بابٌ ما، اعبر من خلاله.

ثق بأن هذا الباب قد فُتح لسبب، وأنك قد وُجِّهت إليه لحكمة. نحن نميل أحياناً إلى الإفراط في التحليل والقلق من اتخاذ القرار، بينما الحل الأسهل والأصدق هو أن تعبر وتكتشف ما خلفه، فهذه هي الطريقة الوحيدة لتعرف. وحتى إن لم يبدُ الأمر صائباً في البداية، لا تتردد، فقد يقودك هذا الباب إلى باب آخر يوصلك إلى وجهتك المنشودة.

تُفتح الأبواب عندما يحين الوقت المناسب لنا لدخول مرحلة جديدة، ويمكننا أن نؤمن بأن العبور هو التصرف الصائب. لكننا أحياناً نبقى عالقين عند العتبة، خوفاً من ترك حياتنا القديمة والانتقال إلى حياة نجهلها. تتردد في أذهاننا أصوات تحاول كبح جماحنا، ونسمع من حولنا كلمات محبطة ومدمرة.

هذه الأصوات، سواء كانت داخلية أو خارجية، أسميتها «أرواح العتبة»، وهي كل المخاوف والشكوك التي تظهر عند بداية كل حياة جديدة. ومع ذلك، لا يمكن لأي منها أن يمنعنا من المضي قدماً، فهي تصمت تماماً بمجرد أن نعبر العتبة.

على مدار حياتنا، تُفتح أمامنا أبواب كثيرة تقودنا نحو علاقات جديدة، ووظائف جديدة، وصداقات ملهمة، وإلهامات إبداعية. إن حياتنا حتى هذه اللحظة هي حصيلة كل الأبواب التي عبرناها، وتقدمنا المستمر يعتمد على مدى استعدادنا لمواصلة الانتقال إلى آفاق جديدة. وفي كل مرة نعبر فيها باباً مفتوحاً، تتشكل لدينا ذاكرة شعورية تشجعنا على المضي بلا خوف، ويغمرنا حينها شعور بالحماس والثقة المتجددة في أنفسنا وفي الكون، فقد عبرنا نحو حياة جديدة.

يُقال إن البشر هم الكائنات الوحيدة القادرة على تغيير حالات وجودها من خلال نواياها وأفعالها وقراراتها، فنحن نستطيع أن نحول الحزن إلى فرح، والنقص إلى وفرة، والخوف إلى طمأنينة. وإدراكاً منا بأن الكون منحنا هذه الهبة الربانية، فإننا نريد لهذا العطاء أن يصيغ لنا حياة رائعة.

تخيل أن تستيقظ كل صباح مفعماً بالنعمة والتفاؤل والعطاء، وقد تحررت من أعباء كنت تظن أنها لا تُطاق. هذا ما ينتظرك حين تكتب قصص حياتك ومواقفك ونجاحاتك وحتى إخفاقاتك، وأنت تتبنى قناعة راسخة بأن رحلتك نحو الشفاء والنجاح لا تراجع عنها. أنت الآن مستعد لتعيش في سلام وانسجام، وهنا تكمن بداية السحر الحقيقي.

وجودك هنا ليس محض صدفة، بل هو جزء من تدبير إلهي. وبينما تمضي في استيعاب دروس هذه الحياة، ستدرك أن كل تفصيل فيها كان خاضعاً لتوجيه إلهي، حتى في تلك اللحظات التي يصعب فيها تصديق ذلك. ففي طيات تجاربنا الفريدة وقصصنا المختلفة وخيباتنا المتكررة، تكمن دروس بانتظار أن نتعلمها، وفي جوهر كل درس تختبئ هدايا وعطايا سماوية لا حصر لها.

كل تحدٍ يبني على ما سبقه، ليشكل مساراً تدريجياً يساعدك على التعافي، والتحرر من أعباء الماضي، وتقبل المجهول والمضي نحو المستقبل بشعور راسخ بالهدف والسلام الداخلي وحب الذات. ليس رغبة في إصلاح شخصيتك، بل لإبراز روعة الإنسان الذي أنت عليه بالفعل، لتؤكد أنك لم تضع ولم تفقد نفسك.

وذلك لصياغة مستقبل ينسجم تماماً مع أسمى رؤاك، والانطلاق نحو آفاق جديدة بثقة لا تتزعزع، وأنت على قيد التحدي والنجاح والحياة.

استراحة قصيرة.. همسة للقارئ:

بالمناسبة، كم مرة توقفتَ أثناء هذا النص لترتشف قهوتك؟ هل بردت قهوتك وأنت تقرأ؟

لا بأس، قم وسخنها، فالحياة الطويلة تحتاج فواصل قصيرة، وفنجان قهوة دافئ يذكرنا أننا ما زلنا هنا، على قيد الحياة، وما زلنا نعبر الأبواب على مهل.


error: المحتوي محمي