25 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الشاعر هادي رسول يكتب سيرته من خارج الصندوق ويُشعرن السرد بلغة نقدية

كُنت متلهفًا لقراءته، وأعرف جيدًا هذا الشاعر؛ سواء من خلال ما علق بذاكرتي من فترة وجودنا في الحدود الشمالية، وبعض اللقاءات التي جمعتني به، وما دار خلالها من نقاشات، أو من خلال ما قرأته من نتاجه الأدبي، أو مما يكتبه عبر قنوات التواصل الاجتماعي، أو مما كتبته عنه في صحيفة “القطيف اليوم”، من تغطية لإصداراته، وحوار أدبي معه، فضلًا عما نُشر في الصحف الأخرى. كل ذلك، ولَّد في داخلي انطباعًا يشي بما سأفضي به في هذه الأحرف.

“لاجىء عاطفي في جمهورية القلق”؛ هذا الكتاب يتحدث فيه الشاعر هادي رسول عن سيرته الذاتية، والذي بزغ عن مُبادرة “منتدى صهيل الكلام”؛ لتوثيق سير الذاتية لأعضائه. لم أكن على موعد مع هذا اللقاء، لكنه المساء يأتي بفيض من لغة العشق التي تتسرّب إلى الروح؛ لتعلق بالفكر. كثير من الأيام مرَّت لم نلتقِ فيها، والآن، جاء اللقاء الذي حلّق بي، بوهج الذكريات، كجناحي طائر يتموسق على أنغام اللغة.

الآن، أصبح الكتاب الذي اشتقت لقراءته بين يديَّ، في لقاء مع الشاعر هادي رسول لبضع دقائق، وفيه أهداني مُكرمًا إصداره. أعادني هذا اللقاء إلى شيء من اللغة التي أجدني ثملًا بها، وإلى اللحظة المُتشققة في زيتونة الدهشة، إلى الكلم والمعنى المتدفقين، ينسابان على وجنتي طفلة، فيحمرُّ على وجنتيَّ لطف أنوثتها، من لقطة عابرة تُبحر بي، كبوح لما علق بظفائرها.

في الوجهة الكلاسيكية، يُذكر في السيرة الذاتية حياة الإنسان، من خلال تجاربه والصعاب التي مرَّ بها، والعوائق التي واجهته، والمواقف التي صقلت تجربته، وكل شيء له علاقة بحياته. ولكن هنا في سيرة هادي الرسول أجده لم يكن كلاسيكيًا، تقليديًا في طرحه -كما هو المعتاد-، في كتابة السير. ولكنه ذهب بعيدًا خارج الصندوق؛ لينسج أفقًا رحبًا من خلال هذه السيرة، فجعلها مُتنوعة المشارب، وكأنها ألوان قوس قزح، يختال على وقع حُبيبات المطر، في انتشاء غرق الكتابة ودهشتها.

لقد انطلق من بداية تكوينه الشعري مُنذ نُعومة أظفاره، مُتأملًا علاقته بالموسيقى والإنشاد؛ ليأخذ اللّحن مداه في أعماقه، إضافة إلى القراءة التي أغرم بها. فليس بكاتب من لم يُغرم بالقراءة؛ إنها توأم الكاتب وظلّ أبجديته عبر علاقة تلازمية. فالكاتب لا يتطور بمنأى عن القراءة المستفيضة. ومن خلالها تتشكل رُؤاه. أيضًا، نوعية كتابته، وقدرته على تطويع اللغة؛ للتعبير عما يختزله في ذاته، وما ينمو تدريجيًا من أفكاره، التي هي رُؤاه.

هادي رسول اختار سردية مُغايرة في كتابة سيرته، وكأنما هي رواية أدبية لها شُخوصها، ورُؤاها، يُمرر أفكاره من خلالها، فهو بطلها السارد لأحداثها، والمُوسيقار الذي يعزف إيقاعها. إنه يُقدم درسًا في أكثر من زاوية؛ ليقف القارئ يتأمل ضفاف الماء والعشب. فتراه يسرد رُؤاه عن ثقافة السرد ناقدًا. وفي لغته النقدية انسيابية الفنان الغارق في ألوانه، والذي يستيقظ إثر جماليتها.

ويقتبس بعض اللقطات الكتابية، ويستشهد عبرها عن رُؤياه النقدية، والتجربة الإبداعية؛ مُتناولًا موضوعي أنسنة الأشياء، وشعرنة السرد. وقد استطاع الوصول إلى المتعة النقدية، وكشف القيمة الحقيقة لشعرنة السرد، مما جعل القارئ يتلمس مسافاتها وتفاصيلها بروحه وفكره، أنفاسه، وبكل وجدانه. فقد غدا هذا الانكشاف النقدي، كضوء الشمس في رابعة النهار. هادي رسول، يمنح قارئه شُرفة للتأمل، المفضي إلى جدول من المعرفة؛ ليتعرف على ملامح مسيرته الكتابية بشكل مُوارب، يفضي إلى النتيجة ذاتها، ألا وهي كتابة سيرته الذاتية.

إن “لاجئ عاطفي في جمهورية القلق”. كتاب سيرة من لون آخر، وطعم آخر. حين تبدأ قراءته، ينتابك الشغف الكبير، والذي يُلهب الحسّ، ويستنهض العقل؛ ليقرأ بهدوء المتأمل، يُعيد ما يقرأ؛ ليعيش اللحظة الشعورية؛ ويصطاد المعنى الهارب من الواقع٫ إلى ما وراء الحس. حقًا، ما بين دفتيه دفء نابض٫ وفكر ناضج٫ وسرد أشبه ما يُمكن توصيفه بأنه رحلة عاشق، لم يُضنه الترحال، بحثًا عن معشوقته. وهنا، اللغة هي المعشوقة التي أخذت بشغاف قلبه، وتلذذ بتعب الترحال؛ ليكتبها٫ ويأنس في نبش فلسفته التي كونها عبر كل هذه السنوات من القراءة والكتابة، كي يُخبرها بأنه العاطفي الذي جاءها؛ ليستظل بأوراقها، ويُعانق القلق الذي أحبه، وسيحبه أكثر.


error: المحتوي محمي