24 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ضياع المعنى

لم يسبق للإنسان أن امتلك من وسائل الراحة والرفاهية ما يمتلكه اليوم، ومع ذلك لم تنجح هذه الوفرة في منحه الطمأنينة التي ينشدها. فقد اتسعت خياراته، وتضاعفت رغباته، وأصبحت الأشياء التي كانت تُعدّ كماليات بالأمس من ضروريات اليوم. في خضم هذا التحول، أخذت المسافة تتسع بين ما يملكه الإنسان وما يشعر به من رضا، حتى بات بعض الناس يعيشون في بحبوحة مادية، بينما تضيق نفوسهم بفراغ لا تملؤه المقتنيات.

نجح العصر الحديث في إقناعنا بأن السعادة تكمن فيما نشتريه، وأن قيمتنا تتحدد بما نمتلكه. فتحولت الحياة لدى البعض إلى سباق لا ينتهي نحو منزل أكبر، وسيارة أفخم، وسفر أكثر ترفًا. غير أن المشكلة لا تكمن في الاستمتاع بهذه النعم، وإنما في تحويلها إلى غاية تستنزف العمر والمال، وتجعل الإنسان أسيرًا لرغبات تتجدد كلما أشبع إحداها.

في الجانب الآخر، هناك نظرة لا تقل خطورة تجعل الحرمان فضيلة في حد ذاته، فتحاصر المباحات وتضيّق على النفس والأسرة رغم توافر القدرة. المال نعمة ينبغي حسن تدبيرها والانتفاع بها، وليس غاية تُجمع لذاتها، ولا وسيلة للتفاخر والتباهي. الحكمة أن يعيش الإنسان في حدود إمكاناته، مستمتعًا بما أحلّ الله له، دون إسراف يستنزفه، أو تقتير يحرمه وأهله من بهجة الحياة.

هذا الانشغال المتزايد بالمظاهر، يُعرّض العلاقات الإنسانية لتحولات عميقة. تجتمع الأسرة تحت سقف واحد، بينما يعيش أفرادها في عوالم متباعدة، وتزدحم وسائل التواصل بالأصدقاء، في الوقت الذي تتراجع فيه حرارة اللقاءات الحقيقية. حين يصبح النجاح المادي المقياس الأبرز للحياة، تتراجع أمامه قيم المودة والرحمة والتكافل، وهي القيم التي تمنح البيت استقراره والمجتمع تماسكه.

أشد ما يرهق الإنسان المعاصر هذه الأيام هو ذلك الشعور بأنه مُطالب بملاحقة كل جديد، ومجاراة الآخرين في أنماط معيشتهم. المقارنات المستمرة تسرق منه متعة المتاح الذي بين يديه، وتجعله ينظر إلى حياته بعين النقص مهما اتسعت إمكاناته. هكذا يتحول السعي المشروع لتحسين مستوى المعيشة إلى قلق دائم، وتصبح الرفاهية التي كان يُنتظر منها الراحة مصدرًا إضافيًا للضغوط النفسية.

في عمق هذه التحولات تبرز حاجة الإنسان إلى معنى يتجاوز حدود المتعة العابرة. هنا تتجلى قيمة الإيمان بالله واليوم الآخر، وقدرتها على منح أفق أوسع للحياة، مما يجعل للصبر معنى، وللعمل الصالح امتدادًا، وللابتلاء حكمة قد تخفى على أغلب الناس. الإيمان لا يلغي الألم ولا يعفي الإنسان من مواجهة مشكلاته، لكنه يمنحه سندًا روحيًا يعينه على احتمال الشدائد، ويذكّره بأن الحياة الدنيا ليست المحطة الأخيرة في رحلته.

التدين نفسه يحتاج إلى فهم متوازن، حيث لا يتحول التطلع إلى الآخرة إلى إهمال للدنيا، ولا يصبح طلب الرزق والرفاهية انصرافًا عن مسؤوليات الروح. القرآن الكريم جَمع بين الأمرين في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. إنها معادلة تحفظ للإنسان حقه في الحياة الكريمة، وتمنعه من أن تستولي المادة على قلبه أو أن يعزله الانشغال الروحي عن واجباته الإنسانية.

استعادة التوازن تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات، بأن نعطي الأسرة من وقتنا كما نعطي العمل، ونرعى صحتنا النفسية كما نرعى أجسادنا، ونفسح للعبادة والتأمل مكانًا وسط مشاغل الحياة. أن ندرك أن إسعاد من نحب، ومساعدة المحتاج، والاستمتاع بنعم الله باعتدال، ما هي إلا بعض من المكونات الأصيلة لحياة تستحق أن تُعاش.

في نهاية المطاف، ليست المشكلة في ثراء الإنسان أو تواضع إمكاناته، ولا في امتلاكه أسباب الرفاهية، وإنما في المكانة التي يمنحها لهذه الأشياء داخل حياته. الاعتدال لا يعني التخلي عن الطموح، والزهد لا يعني حرمان النفس من الطيبات، والتدين لا يعني الانسحاب من بهجة الدنيا. النضج الحقيقي هو أن نمتلك الأشياء دون أن تمتلكنا، وأن نسعى إلى حياة جميلة دون أن نفقد معناها، وأن نجعل من الدنيا ميدانًا للعمل والمحبة والعطاء، ومن الآخرة أفقًا يضيء الطريق ويمنح الرحلة غايتها.


error: المحتوي محمي