لم يكن رحيلُ فاطمة (ع) نهاية الحكاية… بل بداية فصل أشدَّ وجعاً في حياة علي (ع).
فقد رحلت المرأة التي كانت سَكَنَه وروحه وقلبه… وبقي هو ليواجه وداعاً لم يكن أمامه منه مفر.
لم يكن عليه أن يودّع زوجته فحسب…
بل أن يهيّئها بيديه لرحلتها الأخيرة.
ولم يكن أصعب ما ينتظره أن يراها ساكنةً أمامه… بل أن تأتي اللحظة التي يتركها فيها تحت الثرى ويمضي من دونها.
وأيُّ وداعٍ هذا…
حين يكون على الزوج أن يهيّئ أحب الناس إليه للرحيل… ثم يتركها في قبرها ويعود؟
كيف كان قلب علي (ع) في تلك اللحظات؟ وماذا بقي له بعد أن وارى فاطمة الثرى؟
لن نزعم أننا نعرف ما جرى في قلب علي ع… لكن ما وصلنا من الروايات ومن كلماته هو يكفي لنروي حكايةً يفوق وجعها الوصف.
فلنعد إلى تلك الليلة…
عاد علي (ع) إلى البيت… وهناك كان ينتظره من الوداع ما تعجز الكلمات عن وصفه.
فقد كان عليه أن يغسّل فاطمة (ع) بيديه… ويهيّئها لرحلتها الأخيرة.
تذكر الروايات أن عليّاً (ع) تولّى غسلها بنفسه وأن أسماء بنت عميس كانت تعينه.
ما أصعب على الزوج أن يرى زوجته مسجّاةً على المغتسل…
فكيف إذا كان هو من يغسّلها بيديه؟
وكيف إذا كان ذلك الزوج عليّاً… وكانت الزوجة فاطمة (ع)؟
وفي روايات أخرى أنه غسلها من فوق قميصها… دون أن يكشف جسدها.
حتى في لحظة الوداع الأخيرة… بقي لستر فاطمة ع وحرمتها موضع في اخبار تجهيزها… وكأن لها في ذلك شأناً من الشأن لا ندرك أسراره.
أما علي…
فتخيّلوا حاله!!!
حين بلغه رحيل فاطمة…
تذكر الرواية أنه غُشي عليه من شدة المصيبة حتى رُشَّ عليه الماء فأفاق.
وكان يقول:
"بمن العزاء يا بنت محمد؟ كنتُ بكِ أتعزّى ففيمَ العزاء من بعدكِ"
هل سقط مغشيّاً عليه عندما وصل دار فاطمة ع؟
أم اندفع نحوها وألقى بنفسه على جسدها وكأن قلبه يأبى أن يصدّق أنها رحلت؟
لا نعلم بالضبط ما جرى في تلك اللحظات… لكننا نعلم أنه الآن أمامها… يغسّلها ويقلّب جسدها بيديه.
تلك اليدان اللتان طالما خدمتا فاطمة في حياتها… أصبحتا اليوم تهيّئانها لرحلتها الأخيرة.
أيُّ قلبٍ كان قلب علي…
وهو يعلم أن هذه آخر مرة تستطيع فيها يداه أن تخدما فاطمة؟
وحين انتهى الغسل…
لم يكن قد انتهى من أصعب ما ينتظره في تلك الليلة.
بقي من الوداع ما هو اشد.
بعد أن فرغ علي (ع) من غسل فاطمة (ع)… جاء وقت الحنوط والكفن.
وهنا تذكر بعض الروايات تفصيلاً يوجع القلب… أن رسول الله ص ترك حنوطاً وكان لفاطمة منه نصيب وأن علياً حنّطها بما بقي من حنوط أبيها.
فاطمة التي لم يمضي على رحيل أبيها إلا أشهر قليلة… كانت الآن تُهيّأ للرحيل بما تركه لها.
وكأن شيئاً من رسول الله ص بقي معها بعد وفاته… حتى جاء اليوم الذي لحقت فيه بأبيها.
ولكن تأمّلوا حال علي (ع)…
وهو يضع على جسد فاطمة حنوطاً بقي من حنوط رسول الله.
قبل أشهر قليلة ودّع النبيَّ الذي كان له أخاً ومعلّمًا وحبيباً…
واليوم يودّع ابنته التي كانت سَكَنَه وقلبه وروحه.
أيُّ مصيبتين اجتمعتا على قلب علي عليه السلام في تلك اللحظة؟
فقد رسول الله ص… ثم فقد فاطمة (ع) التي كانت تذكّره كل يوم بحبيبه رسول الله.
وها هو اليوم يهيّئها للحاق به.
ولم يكن الحنوط والكفن نهاية الوداع…
فقد أوصت فاطمة (ع) أن تُدفن ليلاً.
وكان الليل يقترب…
وفيه كان ينتظر علياً وداعٌ أشد إيلاماً.
حلَّ الليل على المدينة… وأرخى الحزن ظلاله على القلوب.
ولعلّ المدينة لم تعرف ليلاً أشد وطأةً على قلب علي (ع) من تلك الليلة.
وفي سكون الليل وظلامه… خرج جثمان فاطمة (ع) إلى مثواه الأخير.
ثم جاءت اللحظة التي يعجز القلم عن وصفها… لحظة إنزال فاطمة إلى لحدها.
عليٌّ الذي خاض الحروب منذ شبابه…
والذي شهد قبل أشهر وداع رسول الله وشارك في تجهيزه ودفنه…
كان عليه هذه المرة أن يضع أحبَّ الناس إلى قلبه في قبرها.
أيُّ قلبٍ كان قلب علي حين أتمَّ ذلك الوداع؟
وكيف استطاع أن يهيل التراب على وجهٍ كان يكفيه النظر إليه لتنكشف عنه الهموم والأحزان؟
هل انكشفت عنه أحزانه هذه المرة أيضاً… ام ازداد وجعه حتى لعله تمنى لو يلحد إلى جوارها؟
وهل توقف طويلاً ليودعها… ام كانت لحظة فراق أثقل من ان يحتملها؟
بل كيف كان قلبه يحتمل أن يتركها تحت الثرى… ثم يمضي؟
لا نعلم ما جرى في تلك اللحظات…
لكننا نعلم أن فاطمة دُفنت.
وأن عليّاً خرج من موضع دفنها…
وبقيت هي فيه.
تساؤلات لا نملك لها جواباً…
لكننا نعلم ان فاطمة دفنت وأن علياً كان عليه أن يعود إلى البيت… وتبقى هي تحت الثرى.
انتهى الدفن…
لكن عليًّا (ع) لم ينتهي من وداع فاطمة (ع)… لكن كم من الوقت كان يحتاجه لينتهي من لحظة وداع كهذه؟
ماذا قال لها وهي تحت الثرى؟
هل بقي يناجيها طوال تلك الليلة أم رفع يديه إلى السماء،وكأن لسان حاله، يقول : اللهم ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى؟
لا نعلم…
لكننا نعلم أن الوداع لم ينتهي عند ذلك الحد فقد بقيت لعلي كلمات وجهها الى رسول الله بعد أن وارى ابنته الثرى.
… نقلها لنا الشريف الرضي في نهج البلاغة بدأها بقوله:
"السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك"
وكأن فاطمة التي كانت تجد في حضن أبيها حنان الطفولة … قد عادت إليه اليوم بعد فراق لم يطل كثيراً تحمل معها وجع الأيام التي عاشتها بعده.
ثم قال عليه السلام:
"قلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ورقَّ عنها تجلّدي".
عليٌّ… بطلُ بدر وأُحُد والخندق… الذي واجه شدائد الحياة وأهوال المعارك
يخبر رسول الله أن صبره قد قلّ وأن قدرته على التجلّد أمام فراق فاطمة قد ضعفت.
وفي قلبه ذكرى موجعة لوداع سابق قريب… فقد خاطب رسول الله قائلا:
"فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك"
تأملوا هذا القلب…
بالأمس القريب حمل مصيبة رحيل رسول الله وها هو اليوم يحمل مصيبة ابنته.
ثم تأتي الكلمات التي تكاد تختصر الحكاية كلها:
"أمّا حزني فسرمد وأمّا ليلي فمسهّد"
حزنٌ لا ينتهي… وإن امتدّت بي الحياة بعدكما .
وليلٌ لا يعرف النوم…
فكيف به ،بلسان الحال، أن يغمض له عين… ام كيف يستطيع النوم والنور الذي كان يضيء في المحراب قد انطفأ؟
ولم يكن ذلك كل وداعه ففي كلامه تتمة لا تقل وجعاً…
"حتى يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم"
لم يكن علي ع يتحدث عن تلك الليلة وحدها… بل عن أيام وليال سيعيشها بعد فاطمة حتى يأتي اليوم الذي يلحق فيه برسول الله وابنته.
ثم ختم وداعه بقوله:
"والسلام عليكما سلام مودّع، لا قالٍ ولا سئم"
ولم يترك الإمام علي عليه السلام معنى انصرافه للتأويل بل أكمل:
"فإن انصرف فلا عن ملاله وان أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصابرين"
لم يكن سلامَ من قلَّ حبُّه أو سئم…
ولا انصراف من ملّ الوداع.
بل سلامَ من كان عليه أن يمضي… وإن بقي قلبه معلّقًا بمن ودّع.
وأخيراً وليس آخراً…
جلس علي عليه السلام على شفير القبر وقال:
"يا أرض استودعتكِ وديعتي هذه بنت رسول اللّه، فنودي منها :
يا عليّ، أنا أرفق بها منك، فارجع ولا تهتمّ .
فرجع، وانسدّ القبر واستوى بالأرض، فلم يُعلم أين كان إلى يوم القيامة"
ومضى علي ع…
لكن ماذا كان ينتظره حين يعود إلى البيت؟
انتهت تلك الليلة…
لكن حزن علي (ع) لم ينتهي معها.
فقد انتهى ما كان عليه أن يفعله لفاطمة (ع)…
وبدأ ما كان عليه أن يعيشه من دونها.
لا نعلم كيف قضى ليلته الأولى بعد دفنها… ولا ماذا فعل حين عاد إلى بيته.
لكننا نعلم أن الأيام التي جمعتهما معاً لن تعود.
وأن أياماً أخرى كانت تنتظره…
أياماً سيكبر فيها الحسن والحسين، وتكبر زينب وأم كلثوم (ع)…
لكن أمّهم لن تكون هناك لتراهم يكبرون.
وسيأتي الليل…
ولن تكون فاطمة بينهم.
أما علي (ع)…
فكان عليه أن يستقبل ليلاً جديداً طويلاً دون أن يجد أمامه الوجه الذي كان النظر إليه يبدّد عنه همومه وأحزانه.
ولعلّ أشد ما في رحيل الحبيب…
أن الموت يأخذه في لحظة ثم يترك لمن بقي بعده عمراً كاملاً يتعلّم فيه كيف يعيش من دونه.
وهكذا…
انتهت حكاية الدفن.
لكن حكاية علي بعد فاطمة لم تنتهي…
فقد بقي في ذلك البيت أربعة قلوب…
ولكل واحدٍ منهم مع رحيل أمّه حكايةُ حزن لم نروِها بعد.
همسة عاشق:
ليس أصعب الفراق أن تودّع من تحب…
بل أن تمضي بقية عمرك وفي قلبك مكانٌ لا يملؤه غيره.
فقد رحلت المرأة التي كانت سَكَنَه وروحه وقلبه… وبقي هو ليواجه وداعاً لم يكن أمامه منه مفر.
لم يكن عليه أن يودّع زوجته فحسب…
بل أن يهيّئها بيديه لرحلتها الأخيرة.
ولم يكن أصعب ما ينتظره أن يراها ساكنةً أمامه… بل أن تأتي اللحظة التي يتركها فيها تحت الثرى ويمضي من دونها.
وأيُّ وداعٍ هذا…
حين يكون على الزوج أن يهيّئ أحب الناس إليه للرحيل… ثم يتركها في قبرها ويعود؟
كيف كان قلب علي (ع) في تلك اللحظات؟ وماذا بقي له بعد أن وارى فاطمة الثرى؟
لن نزعم أننا نعرف ما جرى في قلب علي ع… لكن ما وصلنا من الروايات ومن كلماته هو يكفي لنروي حكايةً يفوق وجعها الوصف.
فلنعد إلى تلك الليلة…
عاد علي (ع) إلى البيت… وهناك كان ينتظره من الوداع ما تعجز الكلمات عن وصفه.
فقد كان عليه أن يغسّل فاطمة (ع) بيديه… ويهيّئها لرحلتها الأخيرة.
تذكر الروايات أن عليّاً (ع) تولّى غسلها بنفسه وأن أسماء بنت عميس كانت تعينه.
ما أصعب على الزوج أن يرى زوجته مسجّاةً على المغتسل…
فكيف إذا كان هو من يغسّلها بيديه؟
وكيف إذا كان ذلك الزوج عليّاً… وكانت الزوجة فاطمة (ع)؟
وفي روايات أخرى أنه غسلها من فوق قميصها… دون أن يكشف جسدها.
حتى في لحظة الوداع الأخيرة… بقي لستر فاطمة ع وحرمتها موضع في اخبار تجهيزها… وكأن لها في ذلك شأناً من الشأن لا ندرك أسراره.
أما علي…
فتخيّلوا حاله!!!
حين بلغه رحيل فاطمة…
تذكر الرواية أنه غُشي عليه من شدة المصيبة حتى رُشَّ عليه الماء فأفاق.
وكان يقول:
"بمن العزاء يا بنت محمد؟ كنتُ بكِ أتعزّى ففيمَ العزاء من بعدكِ"
هل سقط مغشيّاً عليه عندما وصل دار فاطمة ع؟
أم اندفع نحوها وألقى بنفسه على جسدها وكأن قلبه يأبى أن يصدّق أنها رحلت؟
لا نعلم بالضبط ما جرى في تلك اللحظات… لكننا نعلم أنه الآن أمامها… يغسّلها ويقلّب جسدها بيديه.
تلك اليدان اللتان طالما خدمتا فاطمة في حياتها… أصبحتا اليوم تهيّئانها لرحلتها الأخيرة.
أيُّ قلبٍ كان قلب علي…
وهو يعلم أن هذه آخر مرة تستطيع فيها يداه أن تخدما فاطمة؟
وحين انتهى الغسل…
لم يكن قد انتهى من أصعب ما ينتظره في تلك الليلة.
بقي من الوداع ما هو اشد.
بعد أن فرغ علي (ع) من غسل فاطمة (ع)… جاء وقت الحنوط والكفن.
وهنا تذكر بعض الروايات تفصيلاً يوجع القلب… أن رسول الله ص ترك حنوطاً وكان لفاطمة منه نصيب وأن علياً حنّطها بما بقي من حنوط أبيها.
فاطمة التي لم يمضي على رحيل أبيها إلا أشهر قليلة… كانت الآن تُهيّأ للرحيل بما تركه لها.
وكأن شيئاً من رسول الله ص بقي معها بعد وفاته… حتى جاء اليوم الذي لحقت فيه بأبيها.
ولكن تأمّلوا حال علي (ع)…
وهو يضع على جسد فاطمة حنوطاً بقي من حنوط رسول الله.
قبل أشهر قليلة ودّع النبيَّ الذي كان له أخاً ومعلّمًا وحبيباً…
واليوم يودّع ابنته التي كانت سَكَنَه وقلبه وروحه.
أيُّ مصيبتين اجتمعتا على قلب علي عليه السلام في تلك اللحظة؟
فقد رسول الله ص… ثم فقد فاطمة (ع) التي كانت تذكّره كل يوم بحبيبه رسول الله.
وها هو اليوم يهيّئها للحاق به.
ولم يكن الحنوط والكفن نهاية الوداع…
فقد أوصت فاطمة (ع) أن تُدفن ليلاً.
وكان الليل يقترب…
وفيه كان ينتظر علياً وداعٌ أشد إيلاماً.
حلَّ الليل على المدينة… وأرخى الحزن ظلاله على القلوب.
ولعلّ المدينة لم تعرف ليلاً أشد وطأةً على قلب علي (ع) من تلك الليلة.
وفي سكون الليل وظلامه… خرج جثمان فاطمة (ع) إلى مثواه الأخير.
ثم جاءت اللحظة التي يعجز القلم عن وصفها… لحظة إنزال فاطمة إلى لحدها.
عليٌّ الذي خاض الحروب منذ شبابه…
والذي شهد قبل أشهر وداع رسول الله وشارك في تجهيزه ودفنه…
كان عليه هذه المرة أن يضع أحبَّ الناس إلى قلبه في قبرها.
أيُّ قلبٍ كان قلب علي حين أتمَّ ذلك الوداع؟
وكيف استطاع أن يهيل التراب على وجهٍ كان يكفيه النظر إليه لتنكشف عنه الهموم والأحزان؟
هل انكشفت عنه أحزانه هذه المرة أيضاً… ام ازداد وجعه حتى لعله تمنى لو يلحد إلى جوارها؟
وهل توقف طويلاً ليودعها… ام كانت لحظة فراق أثقل من ان يحتملها؟
بل كيف كان قلبه يحتمل أن يتركها تحت الثرى… ثم يمضي؟
لا نعلم ما جرى في تلك اللحظات…
لكننا نعلم أن فاطمة دُفنت.
وأن عليّاً خرج من موضع دفنها…
وبقيت هي فيه.
تساؤلات لا نملك لها جواباً…
لكننا نعلم ان فاطمة دفنت وأن علياً كان عليه أن يعود إلى البيت… وتبقى هي تحت الثرى.
انتهى الدفن…
لكن عليًّا (ع) لم ينتهي من وداع فاطمة (ع)… لكن كم من الوقت كان يحتاجه لينتهي من لحظة وداع كهذه؟
ماذا قال لها وهي تحت الثرى؟
هل بقي يناجيها طوال تلك الليلة أم رفع يديه إلى السماء،وكأن لسان حاله، يقول : اللهم ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى؟
لا نعلم…
لكننا نعلم أن الوداع لم ينتهي عند ذلك الحد فقد بقيت لعلي كلمات وجهها الى رسول الله بعد أن وارى ابنته الثرى.
… نقلها لنا الشريف الرضي في نهج البلاغة بدأها بقوله:
"السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك"
وكأن فاطمة التي كانت تجد في حضن أبيها حنان الطفولة … قد عادت إليه اليوم بعد فراق لم يطل كثيراً تحمل معها وجع الأيام التي عاشتها بعده.
ثم قال عليه السلام:
"قلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ورقَّ عنها تجلّدي".
عليٌّ… بطلُ بدر وأُحُد والخندق… الذي واجه شدائد الحياة وأهوال المعارك
يخبر رسول الله أن صبره قد قلّ وأن قدرته على التجلّد أمام فراق فاطمة قد ضعفت.
وفي قلبه ذكرى موجعة لوداع سابق قريب… فقد خاطب رسول الله قائلا:
"فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك"
تأملوا هذا القلب…
بالأمس القريب حمل مصيبة رحيل رسول الله وها هو اليوم يحمل مصيبة ابنته.
ثم تأتي الكلمات التي تكاد تختصر الحكاية كلها:
"أمّا حزني فسرمد وأمّا ليلي فمسهّد"
حزنٌ لا ينتهي… وإن امتدّت بي الحياة بعدكما .
وليلٌ لا يعرف النوم…
فكيف به ،بلسان الحال، أن يغمض له عين… ام كيف يستطيع النوم والنور الذي كان يضيء في المحراب قد انطفأ؟
ولم يكن ذلك كل وداعه ففي كلامه تتمة لا تقل وجعاً…
"حتى يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم"
لم يكن علي ع يتحدث عن تلك الليلة وحدها… بل عن أيام وليال سيعيشها بعد فاطمة حتى يأتي اليوم الذي يلحق فيه برسول الله وابنته.
ثم ختم وداعه بقوله:
"والسلام عليكما سلام مودّع، لا قالٍ ولا سئم"
ولم يترك الإمام علي عليه السلام معنى انصرافه للتأويل بل أكمل:
"فإن انصرف فلا عن ملاله وان أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصابرين"
لم يكن سلامَ من قلَّ حبُّه أو سئم…
ولا انصراف من ملّ الوداع.
بل سلامَ من كان عليه أن يمضي… وإن بقي قلبه معلّقًا بمن ودّع.
وأخيراً وليس آخراً…
جلس علي عليه السلام على شفير القبر وقال:
"يا أرض استودعتكِ وديعتي هذه بنت رسول اللّه، فنودي منها :
يا عليّ، أنا أرفق بها منك، فارجع ولا تهتمّ .
فرجع، وانسدّ القبر واستوى بالأرض، فلم يُعلم أين كان إلى يوم القيامة"
ومضى علي ع…
لكن ماذا كان ينتظره حين يعود إلى البيت؟
انتهت تلك الليلة…
لكن حزن علي (ع) لم ينتهي معها.
فقد انتهى ما كان عليه أن يفعله لفاطمة (ع)…
وبدأ ما كان عليه أن يعيشه من دونها.
لا نعلم كيف قضى ليلته الأولى بعد دفنها… ولا ماذا فعل حين عاد إلى بيته.
لكننا نعلم أن الأيام التي جمعتهما معاً لن تعود.
وأن أياماً أخرى كانت تنتظره…
أياماً سيكبر فيها الحسن والحسين، وتكبر زينب وأم كلثوم (ع)…
لكن أمّهم لن تكون هناك لتراهم يكبرون.
وسيأتي الليل…
ولن تكون فاطمة بينهم.
أما علي (ع)…
فكان عليه أن يستقبل ليلاً جديداً طويلاً دون أن يجد أمامه الوجه الذي كان النظر إليه يبدّد عنه همومه وأحزانه.
ولعلّ أشد ما في رحيل الحبيب…
أن الموت يأخذه في لحظة ثم يترك لمن بقي بعده عمراً كاملاً يتعلّم فيه كيف يعيش من دونه.
وهكذا…
انتهت حكاية الدفن.
لكن حكاية علي بعد فاطمة لم تنتهي…
فقد بقي في ذلك البيت أربعة قلوب…
ولكل واحدٍ منهم مع رحيل أمّه حكايةُ حزن لم نروِها بعد.
همسة عاشق:
ليس أصعب الفراق أن تودّع من تحب…
بل أن تمضي بقية عمرك وفي قلبك مكانٌ لا يملؤه غيره.



