22 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

اللحلوح بين الذاكرة والطرفة

لا تدري ما الذي تصادفه في طريقك فيقدح زناد ذاكرتك! فقد تكون صورة قديمة، أو عبارة نطق بها أحد الآباء، وربما سمكة نائمة على صينية أمام بائع الأسماك!

وهذا ما صادفته عصر هذا اليوم، إذ مررت ببسطة أحد باعة السمك، فاستدعى المشهد في ذاكرتي ماضيًا ورجالًا رحلوا؛ إذ كانوا يجتمعون قرب بسطة السمك، يفترشون الأرصفة، ويسندون ظهورهم إلى الجدران. فكانت البساطة عنوان المشهد العام، من الجلسة إلى العبارة، مرورًا بما يُروى من لطائف وطرائف.

أما السمكة فكانت لحلوح، وجمعها لحاليح، ويُقال لهذا النوع من السمك: اللحلاح. وهو مما عُرض للبيع في هذا اليوم. وللوهلة الأولى، تذكرت أحد الآباء الراحلين، رحمهم الله، الذي كان يقول بالسجع: «ناكل لحلوح قبل لا نروح».

أما ما ومض في ذهني من وحي لفظ اللحلوح، فهو مشهد من مسلسل «درب الزلق»، حين كان قحطه في خضم نقاش حاد بينه وبين زوجته نبوية. وقبل الطلاق بلحظات، قال لها: «إذا ما تبيني، تدفعين لي كل الأشياء اللي صرفتها، من فلس إلى آخر مليم». فأجابته نبوية بنبرة ساخرة: «اسم الله على الفلوس اللي دفعتها، كلها ميّة لحلوح!». فردّ قحطه مستغربًا: «لحلوح بعد؟ أنا ما أعرف اللحاليح!».

والحق أن «درب الزلق» من الأعمال الخالدة في ذاكرتنا التلفزيونية، والعصيّة على النسيان. فعند كل مشهد منه، ترتسم البسمة على الشفاه، وتنطلق الضحكات من الأفواه، ولا يملّ المشاهد من إعادة متابعته على مدى السنين.

واللحلوح، بحسب ما أعرف، يُطلق في مصر على عملة الجنيه، بينما يُطلق عندنا على نوع من السمك. وهكذا تتباين مسميات الأشياء ودلالاتها من لهجة إلى أخرى، وقد يتخذ اللفظ الواحد معاني مختلفة باختلاف البيئات. وفي حالتنا هذه، جمع لفظ اللحلوح بين السمك والعملة، واستدعى مشهدًا من الذاكرة في الحياة اليومية، وآخر من الذاكرة الكوميدية؛ فكانت سمكة عابرة سببًا في استحضار مكان ورجال وعبارة، ومشهد تلفزيوني ما زال عالقًا في الذاكرة.


error: المحتوي محمي