ليس كل كلمة تُقال تُحسن المقال، وليس كل ملاحظة تُصلح الحال، فبين النقد والانتقاد مسافة أدب، وبين إبداء الرأي ومصادرة الرأي ميزان وعيٍ وحسن خطاب.
في مجموعات التواصل، قد ينشر أحدهم مقالًا أو مقطعًا يراه جديرًا بالاطلاع، فيأتيه الرد دون إبطاء: «لا يستحق النشر»! وكأن القائل قد امتلك الحقيقة، وأغلق باب المناقشة، وأصدر حكمًا لا يقبل المراجعة!
يا صديقي، ما لا يستحق النشر في نظرك، قد يستحق التأمل في نظر غيرك، وما تراه قليل الفائدة، قد يجده سواك عظيم العائدة. وما ترفضه اليوم بعلمك وثقافتك، قد يقبله غيرك بعلمه وقناعته.
ثم من قال إن الناشر مؤيد لما نشر؟ فقد ينشر للإفادة، أو ينقل للاستزادة، أو يعرض للتحذير، أو يفتح بابًا للنقاش والتفكير. فليس كل ناقلٍ موافقًا، ولا كل ناشرٍ مصادقًا، ولا كل صامتٍ معارضًا.
ما أجمل أن تسبق حكمك بعبارة «في رأيي»، فتقول: «في رأيي لا يستحق النشر»، فتكون قد أبديت قناعتك دون إلغاء قناعته، وأعلنت موقفك دون انتقاص مكانته، وحفظت للحديث رقيّه، وللخلاف ودّه وصفيّه.
والأجمل أن تناقش الفكرة بالحجة والبيان، لا أن تحاكم صاحبها بالرفض والحرمان. فإن رأيت خللًا فبيّنه، وإن وجدت خطأً فصحّحه، وإن اختلفت فناقش برفق، وإن لم تجد ما يفيد فالصمت أحيانًا أبلغ من التعليق.
ولنتذكر قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، فحسن القول ليس في جمال العبارة فحسب، بل في احترام العقول، ومراعاة القلوب، وصيانة الود من جراح الأسلوب.
أيها الأحبة، مجموعاتنا مجالس مودة، لا محاكم إدانة، ومساحات معرفة، لا ساحات وصاية. فلنجعل اختلافنا بابًا للتعارف لا للتنافر، وللتكامل لا للتخاصم، وللتفاهم لا للتلاوم.
فليس مطلوبًا أن توافقني فيما أقول، ولكن من حقي أن أُسمع باحترام، ومن حقك أن تختلف بذوق، ومن حق المودة علينا ألّا نجعل اختلاف العقول سببًا لاختلاف القلوب.



