حتى بخوركم دغش… مغشوش ماهو عود
مضى زمان، لكنه لم يغادر القلب. ما زالت رائحته عالقة في ذاكرة البيوت القطيفية القديمة؛ في حفيف النخيل، ورائحة الطين بعد رشّ الحوي بالماء، وفي مجالس الأهل التي كانت تضيئها مصابيح الزيت، قبل أن تعرف البيوت نور الكهرباء.
تحت النخيل، وعلى الحصران المصنوعة من سعف النخل، كانت العائلة تجتمع في ليالي القمر. تتعالى الضحكات، وتدور القهوة، ويفوح البخور، وتتصدّر الحبّابة، الجدّة، مجلس الحكايات؛ تغزل الحچي وتفصّله على مقاس أحفادها، وتزرع في نفوسهم من الحكمة والمودّة ما لا تمنحه الكتب.
وكانت حَباب، صاحبة الاسم الأنثوي الشائع في ذلك الزمن، زهرة العائلة وبهجتها. تدلّلها الحبّابة، وتعلّمها شؤون الحياة، وتُعدّها لعالم النساء؛ من تجهيز أواني البيت إلى تطريز المفارش والوسائد، حيث لم تكن الغرزة مجرّد خيط، بل أمنية لبيتٍ تؤسّسه المحبّة والرحمة.
وكان للمجلس نصيبه من المزاح والأهازيج، فتداعب الحبّابة حَباب بأهازيج شعبية تثير ضحك النسوة وخجل الفتاة، وتظلّ أصداؤها جزءًا من ذاكرة المكان.
لكنّ الزمن لا يُبقي الأشياء على حالها. رحلت الحبّابة، وغاب معها صوتٌ كان يملأ البيت حياة. أمّا الجدّ، فقد أثقل الفقد قلبه، وأغلق على نفسه باب العشّة، وانقطع عن مجالس الأهل. لم يعد الحوي حويًا، ولا القمر قمرًا؛ فالأماكن بقيت، لكنّ الروح التي كانت تسكنها غابت.
رأت حَباب حزن جدّها، فعزمت أن تعيد إليه شيئًا من الليالي التي أحبّها. في مساءٍ من أمسيات القيظ، نظّفت الحوي، ورشّت أرضه بالماء، ورتّبت الحصران، ونثرت الجوري والريحان، ثم أشعلت المبخرة، كأنّها تستحضر ذكرى الحبّابة في كل تفصيل.
مشت إلى العشّة، وهمست:
— يَدّي، تعال… الحوي اشتاق لك.
خرج الجدّ متثاقل الخطى، وجلس في مكانه المعتاد تحت ضوء القمر. تأمّل المجلس، والنخيل، والمبخرة، ثم بحث بعينيه عن رفيقة عمره. وحين لم يجدها، انحنى رأسه وغلبته دموعه.
جلست حَباب إلى جواره، في المكان الذي كانت تجلس فيه جدّتها. مدّ يديه واحتضنها، وبكى طويلًا؛ بكاء رجلٍ ظلّ يحمل حزنه في صمت، حتى وجد في حضن حفيدته فسحةً آمنة للبوح.
وبعد أن هدأ، قال لها:
— يا بنتي، المحبّة مو بس عشرة وضحكة؛ المحبّة عهد، والوفا ما ينتهي برحيل الأحباب. إذا بنيتِ بيتك، خلّي الرحمة أساسه، والكلمة الطيّبة بابه، ولا تخلّين الزعل يضيّع سنين المودّة. جدّتك ما كانت تكثر الكلام، لكنّها كانت تعلّمنا بأفعالها، وإحنا نتعلّم منها من حيث ما ندري.
ثم أخذ يستعيد تفاصيلها: مسباحها، وإبريق النحاس، والبخور والخِنّة، ومرية الخلال، وقلادة الريحان، وشجرة الحنّاء في البستان. كانت أشياء عادية في يومها، لكنها غدت بعد رحيلها كنوزًا من الذاكرة.
التفت إلى حَباب، ومسح على رأسها، وقال:
— سلامٌ على رضية، الراضية المرضيّة… وسلامٌ عليكِ يا حَباب، يا وارثة طيبها.
وفي لحظةٍ خفّ فيها ثقل الحزن، نظر الجدّ إلى المبخرة، وهزّ رأسه قائلًا بعتابٍ مازح:
— حتى بخوركم دغش… مغشوش ماهو عود!
ضحكت حَباب من بين دموعها، وضحك الجدّ معها. وكانت تلك الضحكة الصغيرة كأنّها مصباحٌ أُشعل من جديد في بيتٍ أظلم برحيل الحبّابة.
لم يعد الماضي، ولم يتغيّر القمر، لكنّ الجدّ أدرك أنّ الراحلين لا يأخذون كل شيء معهم؛ فبعضهم يبقى في الحكايات، وفي عادات البيوت، وفي قلوب الذين تعلّموا منهم الحبّ والوفاء.
سلامٌ على الحبّابة، التي رحلت وبقيت حكاياتها، وسلامٌ على حَباب، التي حملت من جدّتها أثرًا لا تطفئه السنون.



