أثناء رحلتي في عالم الدرر من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في نهج البلاغة، استوقفتني كلمته العظيمة المحكمة: (الغِنى والفقرُ بَعدَ العَرْضِ على اللهِ تعالى)
وحين عدتُ إلى سائر شروح هذا الأثر واطلعتُ على تفاسير الشراح المتقدمين والمتأخرين، وجدتُ اتفاقاً وجمعاً منهم على تبيان المعنى الاعتقادي والأخلاقي؛ حيث ركّزوا على أن الغنى الحقيقي إنما يكون بحصول الثواب ونيل الرضوان الإلهي، وأن الفقر الحقيقي هو حرمان ذلك الثواب والوقوع في الشقاء والعذاب. وأكد الشراح أن اتصاف الإنسان بالفقر أو الغنى في الدنيا ليس إلا أمراً عرضياً طارئاً وسريع الزوال مقارنة بخلود الآخرة ودوامها.
غير أنني أثناء الوقوف عند هذه الكلمة والتأمل في مبناها ومعناها، لمستُ جانباً ربما تجاهلته الشروح أو مرت عليه مروراً سريعاً؛ ألا وهو الجانب البياني والبلاغي، فقد رأيتُ كيف احتوت هذه الكلمات القلائل سعةً دلالية عظيمة، واستطاعت عبر الإيجاز صياغة فلسفة الوجود الدنيوي أو الأخروي، فضلاً عما تختزنه مفردة النص وبنيتها التركيبية من أساليب الكناية والتقابل والتصوير البلاغي العجيب.
ومن هنا، أحببتُ أن أسلط الضوء على هذه الالتفاتة البيانية من خلال هذا الطرح.
أولاً: تفكيك مفردة العَرْض
إن حجر الزاوية والمحور الذي تدور عليه هذه الكلمة هو مفرده العَرْض في قوله عليه السلام: (بعد العَرْضِ على الله)؛ فهذه المفردة عجيبةُ في سعة دلالتها لتتلاءم مع موطن النشأة التي يُحمل عليها النص فدلالتها في النشأة الأخروية تأتي بمعنى الحساب والمقاصة، أي إذا حُمل النص على النشأة الأخروية، فإن العَرْض يعني الفراغ من الحساب واستيفاء المقاصة الإلهية؛ حيث يُوقف العبد بين يدي الله وتُعرض الصحائف، ويبرز مفهوم الإفلاس الأخروي؛ إذ قد يدخل المرء ساحة العرض وهو يظن نفسه غنياً بكثرة طاعاته، فيُصدم باقتطاع حسناته لصالح من اغتابهم أو ظلمهم، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه، فيتحول غناه الظاهري إلى فقرٍ مطلق وشقاء دائم، فالغنى والفقر الحقيقيان لا يتحددان إلا بعد الانتهاء من عملية العرض والحساب.
أمّا إذا أرجعتَ النص إلى النشأة الدنيوية، فإن العَرْض يأخذ بُعداً فلسفياً آخر؛ وهو التقدير والإمضاء الإلهي، فما يمر به الإنسان من غنى أو فقر في هذه الحياة ليس مرده الصدفة أو الأسباب المادية المقطوعة عن مشيئة الباري، بل إن ثبوت حالة الفقر أو الغنى للعبد في الدنيا إنما يكون بعد عرض أمره على التقدير الإلهي وإمضائه، فلا غنى معتبر ولا فقر حقيقي في الواقع الدنيوي إلا بما أمضاه الله وفق حكمته وعدله.
وأظن أن المفردة تختزن في الموطنين كناية بديعة عن الانكشاف والتسليم المطلق للعدل الإلهي؛ سواء أكان ذلك انقياداً لتقديره في الدنيا، أم خضوعاً لحسابه وجزائه في الآخرة.
ثانياً: بلاغة الإيجاز في كثرة المعنى في قلة المبنى
لا شك أن من أبرز وجوه البلاغة في هذه المقولة الشريفة ما يُعرف بـ الإيجاز الحكيم وهو: تأدية المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، لاحظ كيف اختزل أمير المؤمنين عليه السلام أمد الدنيا الممتد وقيمها المادية والعقائدية العريضة في مجرد شريط متسلسل يتحدد بكلمة بعد، كما أن سهولة اللفظ وعمق المغزى عبر عنه ببضع كلمات، لكنها تتسع لتشمل مبادئ القضاء والقدر، والعدل الإلهي، ومعيار التقييم الحقيقي للإنسان في الدارين، وهذا هو جوهر البلاغة العلوية
ثالثاً: الصور البيانية والمحسنات البلاغية
عند تحليل العبارة تحليلاً بلاغياً، نجد أنها مجموعة من الصور البيانية منها
الطباق حيث جاء في النص تقابلاً بين مفهومين متضادين ظاهرين هما الغنى والفقر، ليصنع مفارقة تنقل الذهن فوراً من المقارنة السطحية بين المفردتين إلى عمق التحليل في النشأتين.
الكناية عن الشقاء والإفلاس حيث أطلق الفقر على من خسر حسناته أثناء الحساب الأخروي، أو من سلب التوفيق الإلهي في الدنيا.
تركيبة العبارة تفيد حسماً وقصراً معنوياً؛ كأنه يقول: لا اعتبار لغنى ولا لفقر إلا ما ثبت وسجل بعد العرض على الله.
إن الوقوف عند الجوانب الاعتقادية والتربوية في كلام أمير المؤمنين عليه السلام أمرٌ أساسٌ بلا شك، غير أن إهمال الجوانب البلاغية والدلالية يحرم المتأمل من التلذذ بجمال هذا البيان وعظمة استعماله في إيصال الغرض.
إن هذا نصٌّ مفتوح السعة؛ تجسد فيه كلمة العَرْض الميزان الإلهي الحاكم، سواء أكان إمضاءً وتقدير في الدنيا، أم حساباً وتصفية في الآخرة.
وحين عدتُ إلى سائر شروح هذا الأثر واطلعتُ على تفاسير الشراح المتقدمين والمتأخرين، وجدتُ اتفاقاً وجمعاً منهم على تبيان المعنى الاعتقادي والأخلاقي؛ حيث ركّزوا على أن الغنى الحقيقي إنما يكون بحصول الثواب ونيل الرضوان الإلهي، وأن الفقر الحقيقي هو حرمان ذلك الثواب والوقوع في الشقاء والعذاب. وأكد الشراح أن اتصاف الإنسان بالفقر أو الغنى في الدنيا ليس إلا أمراً عرضياً طارئاً وسريع الزوال مقارنة بخلود الآخرة ودوامها.
غير أنني أثناء الوقوف عند هذه الكلمة والتأمل في مبناها ومعناها، لمستُ جانباً ربما تجاهلته الشروح أو مرت عليه مروراً سريعاً؛ ألا وهو الجانب البياني والبلاغي، فقد رأيتُ كيف احتوت هذه الكلمات القلائل سعةً دلالية عظيمة، واستطاعت عبر الإيجاز صياغة فلسفة الوجود الدنيوي أو الأخروي، فضلاً عما تختزنه مفردة النص وبنيتها التركيبية من أساليب الكناية والتقابل والتصوير البلاغي العجيب.
ومن هنا، أحببتُ أن أسلط الضوء على هذه الالتفاتة البيانية من خلال هذا الطرح.
أولاً: تفكيك مفردة العَرْض
إن حجر الزاوية والمحور الذي تدور عليه هذه الكلمة هو مفرده العَرْض في قوله عليه السلام: (بعد العَرْضِ على الله)؛ فهذه المفردة عجيبةُ في سعة دلالتها لتتلاءم مع موطن النشأة التي يُحمل عليها النص فدلالتها في النشأة الأخروية تأتي بمعنى الحساب والمقاصة، أي إذا حُمل النص على النشأة الأخروية، فإن العَرْض يعني الفراغ من الحساب واستيفاء المقاصة الإلهية؛ حيث يُوقف العبد بين يدي الله وتُعرض الصحائف، ويبرز مفهوم الإفلاس الأخروي؛ إذ قد يدخل المرء ساحة العرض وهو يظن نفسه غنياً بكثرة طاعاته، فيُصدم باقتطاع حسناته لصالح من اغتابهم أو ظلمهم، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه، فيتحول غناه الظاهري إلى فقرٍ مطلق وشقاء دائم، فالغنى والفقر الحقيقيان لا يتحددان إلا بعد الانتهاء من عملية العرض والحساب.
أمّا إذا أرجعتَ النص إلى النشأة الدنيوية، فإن العَرْض يأخذ بُعداً فلسفياً آخر؛ وهو التقدير والإمضاء الإلهي، فما يمر به الإنسان من غنى أو فقر في هذه الحياة ليس مرده الصدفة أو الأسباب المادية المقطوعة عن مشيئة الباري، بل إن ثبوت حالة الفقر أو الغنى للعبد في الدنيا إنما يكون بعد عرض أمره على التقدير الإلهي وإمضائه، فلا غنى معتبر ولا فقر حقيقي في الواقع الدنيوي إلا بما أمضاه الله وفق حكمته وعدله.
وأظن أن المفردة تختزن في الموطنين كناية بديعة عن الانكشاف والتسليم المطلق للعدل الإلهي؛ سواء أكان ذلك انقياداً لتقديره في الدنيا، أم خضوعاً لحسابه وجزائه في الآخرة.
ثانياً: بلاغة الإيجاز في كثرة المعنى في قلة المبنى
لا شك أن من أبرز وجوه البلاغة في هذه المقولة الشريفة ما يُعرف بـ الإيجاز الحكيم وهو: تأدية المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، لاحظ كيف اختزل أمير المؤمنين عليه السلام أمد الدنيا الممتد وقيمها المادية والعقائدية العريضة في مجرد شريط متسلسل يتحدد بكلمة بعد، كما أن سهولة اللفظ وعمق المغزى عبر عنه ببضع كلمات، لكنها تتسع لتشمل مبادئ القضاء والقدر، والعدل الإلهي، ومعيار التقييم الحقيقي للإنسان في الدارين، وهذا هو جوهر البلاغة العلوية
ثالثاً: الصور البيانية والمحسنات البلاغية
عند تحليل العبارة تحليلاً بلاغياً، نجد أنها مجموعة من الصور البيانية منها
الطباق حيث جاء في النص تقابلاً بين مفهومين متضادين ظاهرين هما الغنى والفقر، ليصنع مفارقة تنقل الذهن فوراً من المقارنة السطحية بين المفردتين إلى عمق التحليل في النشأتين.
الكناية عن الشقاء والإفلاس حيث أطلق الفقر على من خسر حسناته أثناء الحساب الأخروي، أو من سلب التوفيق الإلهي في الدنيا.
تركيبة العبارة تفيد حسماً وقصراً معنوياً؛ كأنه يقول: لا اعتبار لغنى ولا لفقر إلا ما ثبت وسجل بعد العرض على الله.
إن الوقوف عند الجوانب الاعتقادية والتربوية في كلام أمير المؤمنين عليه السلام أمرٌ أساسٌ بلا شك، غير أن إهمال الجوانب البلاغية والدلالية يحرم المتأمل من التلذذ بجمال هذا البيان وعظمة استعماله في إيصال الغرض.
إن هذا نصٌّ مفتوح السعة؛ تجسد فيه كلمة العَرْض الميزان الإلهي الحاكم، سواء أكان إمضاءً وتقدير في الدنيا، أم حساباً وتصفية في الآخرة.



