17 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

حين تسقط الأقنعة في حياتنا اليومية

في كثير من المواقف تسقط الأقنعة ويظهر لنا الناس على حقيقتهم، وهذا لا يحدث في المواقف الكبيرة فقط، بل يحدث أيضًا في حياتنا اليومية وفي علاقاتنا مع أشخاص كنا نظن أنهم الأقرب إلينا.

فكم من صديق تحسبه محبًا وصادقًا معك، وتظن أن لك مكانة كبيرة في قلبه، لكنك ما إن تبتعد عنه خطوة حتى يبتعد عنك خطوتين، وكأن وجودك في حياته لم يكن يعني له الكثير.

وكم من أشخاص تشعر أنهم لا ينقصهم شيء سوى وجودك، وأن غيابك سيترك فراغًا في حياتهم، لكنك حين تغيب عنهم أيامًا لا يسأل عنك أحدهم حتى باتصال بسيط يقول فيه: أين أنت يا صديقي؟ أين أنت يا عزيزي؟ أين أنت يا أخي؟

في مثل هذه المواقف يبدأ الإنسان في مراجعة علاقاته، ويتساءل: هل كانت تلك المحبة متبادلة فعلًا؟ أم أنه كان الطرف الذي يبادر دائمًا ويسأل ويهتم ويحافظ على الود، بينما اعتاد الآخرون وجوده دون أن يشعروا بحاجتهم إلى السؤال عنه؟

ومع مرور الوقت نكتشف أن بعض العلاقات لم تكن كما تصورنا، وأننا ربما منحنا بعض الأشخاص من اهتمامنا ومشاعرنا أكثر مما منحونا، وأن مكانتنا في حياتهم لم تكن كما كنا نظن.

لكن الإنصاف يقتضي ألا نحكم على الناس من غياب عابر أو انشغال مؤقت، فلكل إنسان ظروفه التي قد تمنعه من السؤال والتواصل، وهناك فرق بين شخص غاب لانشغاله بالحياة وشخص لا يتذكرك إلا عندما يحتاج إليك.

المواقف لا تكشف لنا الآخرين فقط، بل تكشف لنا أيضًا مقدار ما كنا نراه فيهم وما كنا نتمنى أن يكونوا عليه، فقد نتمسك أحيانًا بصورة رسمناها لأشخاص في قلوبنا، ثم تأتي الأيام لتخبرنا أن الحقيقة مختلفة عن الصورة التي عشناها.

وليس المطلوب أن نعاتب الجميع أو أن ننتظر من كل شخص أن يسأل عنا في كل وقت، ولكن من حقنا أن نعيد النظر في علاقاتنا، وأن نمنح كل شخص مكانته الحقيقية دون خصام أو إساءة أو عتاب لا ينتهي.

فالعلاقة الصادقة لا ينبغي أن تقوم على جهد طرف واحد، ولا أن يبقى أحدنا دائمًا هو من يبدأ بالسؤال ويبحث عن الآخر ويحاول إبقاء الود حيًا.

بعض المسافات لا تُبعد الناس عنا بقدر ما تكشف لنا المسافة الحقيقية التي كانت بيننا وبينهم.

وربما يكون أجمل ما نتعلمه من هذه المواقف أن نحافظ على طيبتنا ووفائنا، وألا نندم على اهتمام صادق قدمناه لأحد، فالعطاء الذي خرج من قلوبنا لا يقلل من قيمتنا حتى لو لم نجد له المقابل الذي كنا نرجوه…


error: المحتوي محمي