أغلبنا - أبناء آدم - تتزاحم الأفكارُ في رؤوسنا قبل النوم. ماذا حصل؟ كيف حصلَ ما حصل بالأمس؟ ماذا يحدث غدًا؟ أفكار قلق، تخطيط، خوف، أفكار لا تحصى تتزاحم في ساعات ما قبل النوم! هذه سنة الحياة!
من بعد ما اعتدتُ عادة - تدوين الأفكار - ولا أسميها الكتابة لأنني أعتقد أن الكاتب شخص لديه تفكير عميق وقلم سيّال، وهو لا يشبهني بأي حالٍ من الأحوال، وجدت أن وحي الكتابة يهبط ساعة ما قبل النوم لكنني لا أدون الفكرة وأفضل النوم على التدوين لذلك تختفي الفكرة من رأسي بعد الاستيقاظ.
عجز بيت من الشعر العربي يقول: كلامُ الليلِ يَمحوهُ النهارُ! لكن الواقع أن الليلَ يمحو الكلامَ والفكرَ أحيانًا. ننسى الأحلام! ننسى الأفكار! ننسى وننسى!
لا أدري لماذا لكنني أعتقد أن كلّ ما يحصل للإنسان له معنى في حياته. يهدأ في الليل حتى إذا طلع النهار نظفَ ما علقَ بعقله وإدراكه من أشياء غير مهمة في عملية تنظيفٍ مستمرة. ربما لا يوافق العلماء على هذا الرأي لكنني أجد أن النوم يغسل الكثير من الأفكار السطحية ولا يستطيع غسل الأفكار العميقة.
أظن أن الكتّاب - الكبار - عندما لا يدونون الفكرة يشعرون بالذنب وكأنهم قتلوا أحد أبناءهم. عندما أقول الكتّاب الكبار لا أعني كتّاب الخواطر والمقالات القصيرة السطحية، إنما الكتّاب الذين يكتبون الكتب البحثية القيمة.
رحم الله زمانًا كان الكاتب يقاسي لكي يحصل على قلم وأوراق وضوء مصباح وكتب مصادر. في أيامنا هذه كل شيء متوفر في الفراش! الضوء والقلم والورق! يأخذني العجب من المؤلفين القدامى الذين كتبوا كتبًا كثيرة وعميقة قبل توفر الأدوات الحديثة!
كانت معاناة الكتاب والعلماء القدامى، الذين تركوا إرثًا ضخمًا من الآثار المكتوبة، كبيرة جدًّا. كتبوا في الطين والشمع والشجر والحجر والمعادن والجلد. اليوم لا حبر ولا قلم ولا ورق ولا هم يحزنون، الكاتب يقول الكلمات والآلة تكتبها!
فكر في الكاتِب القديم الذي يريد أن يحصل على كتابٍ يستقي منه كيف يحصل عليه؟ من أين يشتريه؟ كيف يتحمل مشقة السفر الطويل المجهد لكي يجده وقد لا يجده! كم نحن في نعمة بعد توفر الكتب الورقية والإلكترونية بسعر التراب؟
أتمنى أن يظهر في الأجيال الآتية كتّابًا أفضل من كتّاب الماضي. كتّابًا يستفيدون من اختفاء العقبات ومن تجدد الأدوات وتقدمها ويستفيدون من تقدم العلوم الإنسانية. أن ترتقي الكتابة أفضل من أن تهبط وتنخفض!



