ماذا بعد عمل شاق و مجاهدة للنفس لقطع حبائل الأهواء و الشهوات المتفلّتة ؟
إنه نقاء النفس و تهذيبها الذي يسير بالإنسان في طريق الاستقامة و يقظة الضمير ، و لكن قد يقطع الإنسان شوطا في تهذيب نفسه ويشعر بأنه تجاوز كثيرا من مواطن الجهالة و الغفلة و الاستجابة العمياء للنفس الأمارة بالسوء ، حتى يظن أنه بلغ مرحلة من الاستقامة تأمن معها نفسه من الانحراف و السقوط في أتون المعصية و ارتكاب العيوب ، ثم تأتيه فتنة أو بليّة تختبر مدى تماسكه الإيماني و الأخلاقي فتتكشف له جوانب من ضعفه ما كان ملتفتا إليها ، فيهرع إلى محاسبة نفسه و البحث عن عوامل الضعف لتجنبها مستقبلا ، متسائلا عن حقيقة ما وصل إليه و أسباب هذا السقوط على أرض المعصية .
وهنا تتجلى إحدى الحقائق العميقة في التربية الروحية التي ينبغي التدقيق و التأمل فيها ، وهي أن معرفة النفس لا تكتمل في لحظات الطاعة وحدها و الاستجابة للفرائض الإلهية ، بل تنكشف حقيقتها أيضا في لحظات الاضطراب و هتاف الشيطان و نداء النفس المشتعلة بالغرائز والسقوط بعد أن كان في ظن من أمره ببلوغ ساحل النجاة .
ففي دعاء أبي حمزة الثمالي الوارد عن الإمام زين العابدين (ع)نقرأ هذا الوجع الإيماني : «ما لي كلما قلت قد صلحت سريرتي ، وقرب من مجالس التوابين مجلسي، عرضت لي بلية أزالت قدمي؟» .
و يصيغه الدعاء بأسلوب السؤال المجازي بغرض التنبيه على أمر مهم يخالج النفس المتألمة من ارتكاب الذنوب ، فالاستفهام هنا ليس لطلب معرفة مجهولة فحسب ، بل هو استفهام إنشائي يفيد التحسر والتعجب والشكوى، ويكشف عن مجاهدة النفس وخوفها من الانتكاس بعد التوبة، مع التطلع إلى تثبيت الله تعالى لها على طريق الطاعة ، و يكشف عن قلب لا يغفل عن الله تعالى و استشعار القرب منه و الأنس بذكره ، إذ التساؤل يكشف عن رقابة للنفس و تحسس لما يصادفها و يعتريها من حالات تفلت فيها من عقال الضبط و الاتزان ، فهو قلب يخشى أن تكون استقامته الظاهرة لا تمثل صمام أمان من الانحراف و أضعف من أن تصمد أمام اختبار النفس عندما تعرض لها بلية المعصية ، فالإنسان قد ينجح في الطاعة حين تكون الظروف مهيأة و يواظب على أداء الواجبات دونما تقصير أو تأخير ، لكن الكاشف الحقيقي لاستقرار الخوف من الله تعالى في نفسه هو مقدار رسوخ إيمانه حين تتعارض شهوته مع تكليفه ، أو تتصادم رغباته مع الحق فيجد نفسه أمام ابتلاء يستدعي منه صبرا ومجاهدة أمام موجة عاتية لشهوة تصادف هوى في نفسه .
و هنا تتجلى معادلة إيمانية مهمة تتعلق بالعثرات في طريق مجاهدة النفس و السقوط في بعض المحطات ، فلا ينبغي أن يفهم المؤمن أن كل تعثر بوصفه دليلا على رفض الله تعالى له ، و لا كل نجاح في العبادة دليلا على بلوغه مقام الكمال ؛ فالعبرة ليست بمجرد الوقوف بين يدي الخالق في محراب الطاعة لوحدها ، وإنما بصدق التوجه واستمرار المجاهدة وسرعة الرجوع عند الانحراف و النهوض مجددا .



