15 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إذا مات الجسد فهل يموت أثر القلم؟

سيأتي يومٌ يصمت فيه اللسان، ويجفّ فيه المداد، وتُطوى فيه الصحائف، ويغيب فيه الكاتب تحت التراب، فلا جاهٌ ينفع، ولا مالٌ يشفع، ولا ثناءٌ يُسمع، ولا قلمٌ يُرفع؛ ويبقى السؤال الذي ترتجف له القلوب: ماذا كتبتَ لآخرتك قبل أن تُطوى صفحة حياتك؟

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12].

وما أروع أن يكون للقلم أثرٌ بعد انقطاع الأجل، وأن تبقى للكلمة حياةٌ بعد رحيل صاحبها عن هذه الحياة، وأن يجد الكاتب في قبره ثوابَ فكرةٍ أيقظت غافلًا، أو نصيحةٍ أصلحت جاهلًا، أو موعظةٍ ردّت ضالًّا، أو حكمةٍ أنارت للأجيال سبيلًا.

نحن معاشر الكُتّاب لا نزعم العصمة فيما نكتب، ولا ندّعي الحكمة في كل ما نسطر، ولا نطلب من الناس تصديق كل مقال، أو التسليم بكل قول؛ وإنما نكتب بما رزقنا الله من علمٍ وفهم، وبما وهبنا من فكرٍ وقلم، نرجو إصلاحًا لا جراحًا، وإرشادًا لا استعلاءً، ووعيًا لا رياءً.

فالكتابة عندنا رسالةٌ لا مفاخرة، وأمانةٌ لا متاجرة، ومسؤوليةٌ لا مغامرة.

نكتب لك، ولأبنائك، ولأحفادك، ولمن نعرف ومن لا نعرف؛ فقد تبلغ الكلمة قلبًا لم نلتقه، وتُصلح بيتًا لم ندخله، وتُنير عقلًا لم نعرف صاحبه.

ولسنا فوق النقد، ولا بمنأى عن الخطأ؛ بل نرحّب بمن يصحّح لنا فكرة، أو يكشف لنا غفلة، أو يهدينا إلى معرفة. فالنصيحة الصادقة هدية، والمراجعة الهادفة تربية، والاختلاف المهذّب بابٌ للحكمة والرؤية.

ولكن شتّان بين من ينتقد ليُصلح، ومن يُحبط ليجرح؛ وبين من يناقش الفكرة بالحجة، ومن يحاكم صاحبها بالتهمة.

فإن أعجبتك الكلمة فشجّع صاحبها، وإن خالفتها فناقش حجتها، وإن رأيت فيها خطأً فبيّن وجه صوابها؛ وإن لم تجد خيرًا تقوله، فلا تجعل من الإحباط رسالة، ولا من التثبيط بطولة.

قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

وكم من كاتبٍ يحتاج إلى كلمة تشجيعٍ تُعينه على الاستمرار، وكم من صاحب قلمٍ يحتاج إلى نصيحةٍ تُجنّبه العثار؛ فالتشجيع لا يعني الموافقة على كل مقال، كما أن التصحيح لا يستلزم التجريح بحال.

ولنتذكر جميعًا أن القصور سيطويها الزمان، والأموال سيقتسمها الورثة والأعوان، أما الكلمة الصالحة فقد تبقى نورًا في الضمير والوجدان.

قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7].

اللهم إنك تعلم سرائرنا قبل أقلامنا، وتعلم مقاصدنا قبل مقالاتنا؛ فاللهم اجعل ما نكتب خالصًا لوجهك الكريم، نافعًا لعبادك، باقيًا في ميزان حسناتنا. وطهّر أقلامنا من الرياء، وقلوبنا من الكبرياء، ونفوسنا من طلب الشهرة والثناء. ولا تجعل في كلماتنا ظلمًا لأحد، ولا كِبرًا على أحد، ولا أذًى يلحق بأحد.

اللهم إذا ماتت أجسادنا، وانقطعت أصواتنا، وجفّت أقلامنا، فاجعل صالح ما كتبناه شاهدًا لنا لا علينا، ونورًا في قبورنا، ورفعةً في أجورنا؛ فما أردنا بقلمنا إلا خيرًا، وما رجونا بعملنا إلا رضاك وأجرًا.


error: المحتوي محمي