بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
تطالعنا سورة الفرقان في أواخر آياتها برسمٍ للملامح الإيمانية والأخلاقية الشاملة لـ عباد الرحمن حيث تتضمن هذه الآيات صفات جامعة تشكّل في مجموعها الهوية الإيمانية التي ينبغي أن يتحلى بها كل مؤمن في حياته الفردية والاجتماعية.
يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) الفرقان: 63-68.
إنّ عظمة التدبر في مكنون الآيات وهو المغذي للروح أعظم ما تحتاجه النفس الإنسانية في صخب هذه الحياة فإن القرآن ينابيع نور ومخزون روحاني يحيي القلوب.
جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام: (…ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق لكم، ولكن أخبركم عنه: إن فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء داءكم، ونظم ما بينكم…) نهج البلاغة من الخطبة 153
حين يتوقف المؤمن عند مفردات هذه الآيات ومعانيها العميقة، فإنه يستلهم منها مكنوناً وجدانياً يغذي الروح، وينعش الضمير، ويصل القلب بخالقه.
إن هذا التدبر الواعي هو الذي ينقل الإنسان من سطحية التلاوة إلى جوهر الطاعة، فيغدو القرآن الكريم نبراساً حياً يتحرك به المرء في واقعه، مستلهماً منه السكينة في روحه، والثبات في خطاه، والوضوح في وجهته.
إن المتأمل في هذه الآيات الشريفة وبعين التدبر يجد أن صفات عباد الرحمن تنتظم وتتوزع بدقة لتغطي ثلاثة أبعاد رئيسية في حياة الإنسان:
البعد الأول: العلاقة مع الله تعالى
كقيمة إيمانية والتعبدية تؤدي إلى التوحيد الخالص ونفي الشرك وإخلاص العبادة والتوجه لله وحده بلا شريك: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَر).
أضف لهذا البعد عمارة الأوقات بالصلاة والركوع والسجود والقيام بين يدي الله: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا).
ولاحظ جانب الخوف والرجاء حيث يقودان المؤمن للاستعانة بالدعاء والالتجاء إلى الله للنجاة من عقابه: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ).
البعد الثاني: العلاقة الأخلاقية والاجتماعية
ولها عدة مظاهر جاءت في الآيات الشريفة منها التواضع والسكينة حيث السير في الأرض بالوقار والسكينة والابتعاد عن التكبر والخيلاء: (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا).
ومنها الحلم ومواجهة الجهل بالسلم وصيانة اللسان والترفع عن الخصومات وسفاهة الجاهلين: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).
ومنها مراعاة حرمة الدماء واحترام حق الحياة والابتعاد عن سفك الدماء المحرمة: (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).
البعد الثالث: السلوك الشخصي والمالي
والذي يتمثل في العلاقة مع النفس والمال والاعتدال والتوسط في الإنفاق لتحقيق التوازن المالي الواعي بين طرفي الإفراط والتفريط: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا).
كما أن العفة والصيانة الأخلاقية تجنب الفواحش وتؤدي إلى حفظ النفس والفرج مما حرم الله: (وَلَا يَزْنُونَ).
ختاما أقول: يجب علينا العودة إلى النور لإننا في عصر التشتت الرقمي، حيث تمضي الأوقات في التنقل بين المنصات والتطبيقات الحديثة، فنحن أحوج ما نكون إلى اقتطاع جزء من أوقاتنا للتأمل في هذه الآيات الشريفة ومطالعة تفاسيرها، كما أن التدبر في هذه الصفات يفتح للإنسان آفاق الثقافة الأخلاقية والعقائدية التي تعينه على استقامة حياته وسلوكه.
إن التشريعات الإلهية ما جُعلت إلا لسعادة الإنسان ونفعه؛ وكما يُسرّ المرء بنصيحة مهندس خبير يحميه من أخطاء البناء، أو بنصيحة ناصح أمين في مجريات حياته، فإن المنّة الإلهية بالتشريع والنبوة هي القانون الضامن لاستقرار البشرية وسعادتها: قال عز وجل: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). آل عمران 164
فليت شعري كيف يزهد الإنسان بعد هذا النور في تدبر آيات ربه وغذائه الروحي، أو يستغني عما يفرّق قلبه عن هذا المنهج القويم الذي يرسم صراط عباد الرحمن؟ ألا يجدر بنا أن نجعل لهذه الهداية حصةً من حياتنا، لتزكو بها النفوس وتصلح بها الأحوال!
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين



