تأخرتَ! كلمة كنت أسمعها من أمي و أبي - رحمهما الله تعالى - عندما كنت صغيرًا، يقولاهَا بصيغة استنكار شهيّ. عندما تكبر في العمر تعود إليك تلك الذكريات لأنك تستعمل ذات القاموس مع الأبناء والأحفاد!
فهمتُ معنى "تأخرت" عندما أصبحت أبًا ثمّ جدًّا. أستعملها عندما يتأخر أحد الأبناء، أو الأحفاد، أكثر من العادة. كلمة معبأة باشتياق وعتب تعني لماذا تأخرت؟ اشتقنا لك كثيرًا، خفنا عليك وعلى أنفسنا من طول الغياب. سمعناها صغارًا من الآباء والأمهات واليوم نقولها. خافوا علينا من المخاطر، اليوم نخاف على غيرنا من المخاطر ومن غير الزمان!
وَقَد ذُقتُ حَلواءَ البَنينَ عَلى الصِبا .. فَلا تَحسَبَنّي قُلتُ ما قُلتُ عَن جَهلِ
الإنسان مخلوق عجيب. يتلون قاموس كلماته مثلما يتلون شعر رأسه. بعد تحمل المصاعب والإِمتحانات يكون على استعداد لتلقي وحي الكلمات. أين كنت؟ جئت؟ أكلت؟ نمت؟ أسئلة يستثقلهَا الشبّان، يظنون أنها تقيد حركتهم وحريتهم. عندما يصبحون آباء وأمهات يدركون أن هذه الأسئلة هي مفردات الوظيفة؛ وظيفة الأب ووظيفة الأم! وظيفة الحماية من المخاطر المحتملة وما أكثرها في هذا الزمان!
ابن أحد الأصدقاء اختار أن يعيش مسافةً بعيدة عن أبيه وأمه. سمعت الأب عاتبًا عليه: ماذا عني؟ ماذا عن أمك؟ ألا يحق لنا أن نراك في سنوات كبرنا؟ "القليل" من الأبناء يعرفون عمق مشاعر الأبوة والأمومة ثم "كلهم" يعرفونها إذا صاروا آباء وأمهات؛ القلق، المحبة، التضحية، كلها تولد مع المولود.
"ووجدتك بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأنّ شيئًا لو أصابك أصابني، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني"... الإمام علي عليه السلام مخاطبًا ابنه الإمام الحسن عليه السلام. يصاب الابن بصداع خفيف يبقى الأب والأم مستيقظين وكأن الوجع مضاعفًا في رأسيهما.
هذا الحديث ليس حديث الفيلسوف، إنما هو حديث الإنسان الأب الذي هكذا خلقه الله سبحانه وتعالى لكي تستمر الحياة. ليت حمل الآباء والأمهات ينتهي مع سنوات الطفولة والشباب! لكنه لا ينتهي ويدوم حتى القبر في متابعة حياة أبنائهم.
لذة الأبناء في الدنيا أما في الآخرة "فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ". تنتهي مسألة النسب، حيث كلّ إنسان وعمله، فلا معين له، ولا نفع في ولده الذي سهر لياليه في خدمتهم، أو أخيه، أو والده. أبناء أنفقت عليهم عمركَ وتعبت من أجلهم لا ينفعونك شيئًا!
في نهاية الخاطرة أضع بين يدي القراء الكرام أسئلة هي التالي:
لماذا يميل بعض المراهقين للسهر خارج المنزل؟ استقلال أم تمرد؟ كيف يمكن إقناعهم بسلبيات السهر خارج البيت؟



