13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

لم يكن الحديث عن الطائر

كنت أعتقد أن الاهتمام بالآخرين يظهر في المواقف الكبيرة والمتكررة.
من يقف معك وقت الحاجة، ومن يسأل عنك حين تغيب، ومن تجده إلى جانبك عندما تضيق بك الأمور.

لكن مع الوقت، بدأت ألاحظ أن هناك نوعًا آخر من الاهتمام، لا ننتبه إليه كثيرًا، رغم أنه قد يقول عن علاقاتنا أكثر مما تقوله المواقف الكبيرة.

تخيل مشهدًا عاديًا يتكرر في بيوت كثيرة.

في نهاية يوم طويل، يجلس شخصان في غرفة المعيشة، أحدهما يتصفح هاتفه، والآخر يحاول أن يشاركه شيئًا حدث خلال يومه.

يقول له: «تدري؟ اليوم وقف طائر صغير عند نافذة المحل، وظل ينقر على الزجاج، والغريب أنه لم يهرب حتى عندما اقتربت منه».

فيرد الآخر، دون أن يرفع عينيه عن الهاتف: «يمكن كان جوعان».

ثم يعود الصمت.

لا خلاف حدث، ولا كلمة جارحة قيلت، ولا شيء يستحق العتاب في الظاهر.

لكن صاحب الحكاية كان ينتظر شيئًا آخر، ربما سؤالًا بسيطًا، أو نظرة اهتمام، أو حتى ابتسامة تشاركه استغرابه.

لم يكن يريد تفسيرًا لسلوك الطيور، كان يريد أن يشاركه أحد تلك اللحظة.

وأحيانًا، لا يكون لدى الإنسان ما يريد قوله أصلًا، لكنه يبحث عن أي موضوع يفتح به باب الحديث مع شخص يهمه. ليس لأن لديه حكاية تستحق أن تُروى، بل لأنه يريد أن يتحدث معه، وأن يبقى بينهما شيء من التواصل، حتى لو كان الحديث عن طائر عابر.

وهنا يجد الإنسان نفسه في حيرة بين الصمت ومحاولة الحديث. إن صمت، خشي أن يفقد ما تبقى من التواصل، وإن بادر بالحديث، لم يجد من يتفاعل معه. فيظل يبحث عن موضوع جديد، لا لأنه يملك الكثير ليقوله، بل لأنه لا يريد أن ينقطع الحديث بينهما.

قرأت منذ فترة عن «نظرية الطائر»، وهي مستوحاة من أبحاث عالم النفس جون غوتمان، الذي اهتم بدراسة التفاصيل الصغيرة في العلاقات الإنسانية، وكيف يمكن لاستجابة بسيطة جدًا أن تعزز القرب بين شخصين.

فصاحب الحكاية لا يسألك بالضرورة عن الطائر، ولا ينتظر منك أن تعرف نوعه أو لونه.

ربما كان يريد فقط أن تقول له: أين رأيته؟

ليس لأن الطائر مهم، بل لأن حديثه معك هو المهم.

وهنا بدأت أنظر إلى بعض العلاقات بطريقة مختلفة.

كم مرة حدثنا أشخاص نحبهم عن أمور لم نكن مهتمين بها، فاختصرنا الحديث دون أن ننتبه إلى أنهم ربما كانوا يحاولون الاقتراب منا؟

وكم مرة فعلنا نحن الشيء نفسه، ووجدنا أمامنا شخصًا لم يمنح حديثنا أكثر من كلمة عابرة؟

وكم مرة مرّ بنا حدث في حياتنا، تمنّينا لو شاركنا تفاصيله شخص يهمنا، لا لأننا كنا ننتظر منه رأيًا أو حلًا، بل لأننا أردنا أن يكون حاضرًا معنا في تلك اللحظة، وأن يشعر بما شعرنا به، سواء كان فرحًا نود أن نتقاسمه، أو حزنًا تمنّينا ألا نعيشه وحدنا؟

لكنني لا أعتقد أن الأمر بهذه البساطة دائمًا.

فليس كل من لم يتفاعل معنا لا يهتم بنا، وليس كل من أنصت إلينا يحبنا. قد يكون الإنسان منشغلًا أو متعبًا أو لا يجيد التعبير عن اهتمامه.

ولهذا لا يمكن أن نحكم على علاقة كاملة من موقف واحد.

لكن تكرار هذه التفاصيل يستحق أن نتأمله.

فالعلاقات لا تقوم على المواقف الكبيرة وحدها، بل على تلك اللحظات الصغيرة التي يشعر فيها الإنسان أن هناك من يراه، ويسمعه، ويهتم بما يريد قوله، حتى لو لم يكن مهمًا في نظر الآخرين.

وأحيانًا، لا تبدأ المسافة بين شخصين بخلاف، ولا بكلمة جارحة، بل بتفاصيل صغيرة لم ينتبه إليها أحدهما، حتى اعتاد الآخر ألا يشاركه شيئًا.

ومع الوقت، أدركت أن بعض الناس لا يحتاجون منا إجابات كثيرة، ولا اهتمامًا استثنائيًا، بل يحتاجون فقط إلى أن نشعرهم بأن حديثهم يستحق أن نسمعه.

وأحيانًا، لا ينتهي الحديث لأننا لم نعد نملك ما نقوله، بل لأننا اكتشفنا أن الصمت أقل وجعًا من أن نتحدث ولا نجد من يصغي إلينا.


error: المحتوي محمي