الوطن ليس أرضًا نسكنها فحسب، بل كرامةٌ نصونها، وأمانةٌ نحملها، ونعمةٌ نشكرها، ومسؤوليةٌ نؤديها. وليس حبُّ الوطن شعارًا يُرفع، ولا نشيدًا يُسمع، ولا علمًا يُرفرف في المناسبات ثم يُطوى مع الذكريات؛ بل عهدٌ يُصان، وعملٌ يُتقن، وولاءٌ يُترجم إلى إنجازٍ وإحسان.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وإذا كانت الآية الكريمة في سياق الإعداد العسكري وردع العدوان، فإن بناء الأوطان يحتاج كذلك إلى إعدادٍ في سائر الميادين؛ فالعلم قوة، والإيمان قوة، والاقتصاد قوة، والإنتاج قوة، والإتقان قوة، ووحدة الصف قوة، وكلُّ قوةٍ تُسخَّر لخدمة الوطن تزيده رفعةً ومنعةً وعزة.
ولقد أدركت قيادتنا الرشيدة أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من ثرواتٍ فحسب، بل بما تصنعه من إنسان، وما تبنيه من بنيان، وما تؤسسه من أمنٍ وعلمٍ وإيمان.
فها هو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، يقود مسيرة وطنٍ جمع بين أصالة الجذور وطموح العصور، وحكمة القرار وعزيمة الإعمار، ورعاية المواطن وصيانة الأوطان. وقد قال في كلمته بالمنطقة الشرقية عن رؤية المملكة 2030: «ولابد من تظافر جهود المجتمع لإنجاحها»، مؤكدًا أن المواطن السعودي أظهر استشعارًا كبيرًا للمسؤولية، وشكّل مع قيادته وحكومته سدًّا منيعًا أمام من يستهدف الوطن ومقدراته.
وها هو صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، يقود طموح التحول، ويستنهض الهمم، ويفتح للمملكة آفاق المستقبل بثقةٍ لا تعرف التراجع، وعزيمةٍ لا تقبل التقاعس. وقد قال كلمته التي أصبحت عنوانًا للإرادة الوطنية: «همة السعوديين مثل جبل طويق، ولن تنكسر إلا إذا انهد هذا الجبل وتساوى بالأرض».
إنها ليست كلماتٍ تُقال، بل عزائمُ تُستنهض، وطاقاتٌ تُستثمر، ومسؤولياتٌ تُحمَل؛ فالقيادة ترسم الطريق، والشعب يشدّ العزيمة لتحقيق الطموح، وحين تتلاحم حكمة القيادة مع همة المواطن، يصبح المستحيل تحديًا، والمستقبل إنجازًا، والطموح واقعًا.
فالجنديُّ يحمي حدود الوطن بسلاحه، والعالِمُ يحمي مستقبله بعلمه، والطبيبُ يحمي أبناءه بطبّه، والمهندسُ يبني نهضته بفكره، والمعلمُ يصنع أجياله بتربيته، والتاجرُ يعزّز اقتصاده بأمانته، والكاتبُ يدافع عن قيمه بقلمه، والفنانُ يجسّد هويته بإبداعه، والمزارعُ يعزّز أمنه الغذائي بإنتاجه، والصانعُ يرسّخ استقلاله الصناعي بإتقانه.
أما صاحب الشركة الذي يوظّف المواطن، ويدرّبه ويؤهّله ويفتح أمامه أبواب المستقبل، فإنه لا يمنح وظيفةً فحسب، بل يبني أسرةً، ويعزّز استقرارًا، ويحرّك اقتصادًا، ويصنع للوطن سندًا وذخرًا.
وما أعظم الجنديَّ الذي يسهر على الثغور ونحن ننام، ويواجه الأخطار ونحن في بيوتنا ننعم بالاستقرار، ويتحمّل مشقة الميدان لتبقى لأطفالنا الطمأنينة والأمان! فإذا طالبناه بالثبات، وجب علينا الوفاء؛ وإذا دعونا له بالنصر، وجب علينا أن ننصر وطننا بالإخلاص والعمل، والتعاون والأمل، والبناء لا الاتكال.
فليس من الوفاء أن نطالبه بالتضحية ونحن نتهرّب من المسؤولية، أو ننتظر منه حماية الحدود ونحن نهمل بناء العقول، أو نطلب منه الإتقان في الميدان ونحن نتساهل في إتقان الأعمال.
إن الوطن لوحةٌ عظيمة، وفسيفساءُ متكاملة؛ لكل مواطنٍ فيها لون، ولكل مهنةٍ فيها فن، ولكل جهدٍ فيها وزن. لا يكتمل جمالها إلا بتكامل أجزائها، ولا تشتد قوتها إلا بتكاتف أبنائها، ولا تسمو مكانتها إلا بصدق انتمائها.
فلا تستصغر قلمك إن كنت كاتبًا، ولا علمك إن كنت طالبًا، ولا مهارتك إن كنت عاملًا، ولا إبداعك إن كنت فنانًا؛ فقد تكون كلمةٌ صادقة سببًا في وعي أمة، وفكرةٌ مبتكرة بداية نهضة، ووظيفةٌ لمواطن بابًا لاستقرار أسرة، ومنتجٌ وطني لبنةً في قوة دولة.
ولقد أحسن أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
وللأوطانِ في دمِ كلِّ حُرٍّ
يدٌ سلفتْ ودَينٌ مستحقُّ.
فحب الوطن ليس دينًا يُؤجَّل، ولا واجبًا يُرحَّل، ولا مسؤوليةً تُلقى على غيرنا ثم نكتفي بالمشاهدة؛ إنما هو وفاءٌ يُؤدَّى، وعطاءٌ يتجدّد، وبناءٌ يتصاعد.
وطننا المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين، وموطن العزّ والتمكين، وطنٌ أفاء الله عليه نعمة الأمن والاستقرار، وهيّأ لأبنائه فرص العلم والعمل والإعمار؛ أفنبخل عليه بالإخلاص والعطاء؟ وهل يليق بمن استظلّ بأمنه أن يتقاعس عن خدمته؟
إن الوطنية الحقيقية ليست بكثرة ما نقول عن الوطن، بل بمقدار ما نقدّم له؛ ليست بكثرة عبارات المديح وحدها، بل بالمبادرة إلى العمل والتطوير والإسهام في صناعة المنجزات؛ ليست بادعاء المحبة، بل بصدق الخدمة.
فليكن كلُّ مواطنٍ جنديًّا في ميدانه، أمينًا في أمانته، مخلصًا في مهنته، مبدعًا في رسالته، وليكن اختلاف التخصصات تكاملًا في القدرات، وتنوّع المواهب تلاحمًا في الغايات.
الوطن بحاجة إلى سواعدنا وعقولنا وإخلاصنا، وإلى أن تتحول مشاعر الاعتزاز به إلى أعمال وإنجازات؛ فالأوطان لا تنهض بالأماني وحدها، وإنما تنهض بالعزائم التي تبني، والسواعد التي تعطي، والضمائر الحية التي تصون الأمانة وتحفظ المسؤولية.
وإذا كان الملك سلمان قد دعا إلى تضافر جهود المجتمع، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان قد راهن على همة السعوديين، فإن الوفاء لهذه القيادة لا يكون بالكلمات وحدها، بل بأن نكون عند حسن الظن، وعلى قدر المسؤولية، وأن نجعل من كل موقع عملٍ ميدانَ بناء، ومن كل علمٍ وسيلةَ ارتقاء، ومن كل إنجازٍ لبنةً في صرح الوطن.
وختامًا، إذا كان الجنديُّ يقف على حدود الوطن ليحمي أرضه، فلنقف جميعًا على حدود مسؤولياتنا لنحمي مجده؛ هو يحرس الوطن من الخطر، ونحن نحفظ مكتسباته بالإخلاص والإتقان وحسن استثمار الموارد.
فالوطن الذي أعطانا الأمان يستحق منا الإحسان، والوطن الذي منحنا الكرامة يستحق منا الاستقامة، والوطن الذي احتضن أحلامنا يستحق أن نحقق له أعظم الأحلام.
فكما أن الوطن بحاجةٍ إلينا، فنحن بحاجةٍ إليه؛ وإن كان هو بيتنا الكبير، فلنكن نحن سنده الأمين، وحصنه الحصين، وذخره في كل حين.
حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وأعزّ بهما الوطن، ونصر جنودنا، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان، وجعلنا جميعًا أوفياء لهذه الأرض المباركة، لا بالكلام وحده، بل بالإخلاص والإتقان.



