كيف تتشكّل القناعات والصور الذهنية المجزوم بها في عقولنا، بحيث تصبح محددات عامة لشخصياتنا؟
أحد أهم العوامل المؤثرة في ترسيخ تلك القناعات هو الحديث أمام مرآة النفس، فالدائرة الخفية تنعقد فيها الخرائط الذهنية لما يقدم عليه الإنسان من قرارات وخطوات يقدم عليها بعد ذلك، وهكذا يتبين لنا أن حياة الإنسان ومجمل تصرفاته وتعاملاته لا تأتي من فراغ، بل هي الصورة الظاهرة مما يدور في نفسه من أصوات تهتف بعقله، وطريقة تفكيره ونظرته للأحداث والمفاهيم والمواقف يتم استخلاص القناعات منها وتصبح المحرك الأساسي له، فإذا ما أردنا أن نحدد الهوية النفسية للإنسان والأطر العامة لملامح شخصيته فننطلق حينئذ من البرمجة الذاتية لنفسه، والتي تشمل قناعاته وتصوراته لمختلف الظواهر والقضايا متبلورة بعد ذلك في تصرفات ملموسة ومرئية، وهكذا يتبين لنا أن تصور الإنسان حول نفسه وهي قدراته هو ما يحدد مساره في الحياة نحو الإنجاز أو الخيبة، فعندما يتأمل الفرد ما وهبه الله تعالى من نعمة العقل المفكر والقدرات والإمكانيات التي من خلالها يبدأ في بناء طريق أهدافه وغاياته في مختلف الجوانب الفكرية والاجتماعية والمهنية وغيرها، يسير حينئذ في خطى النجاح والإنجاز وتذليل العقبات مهما واجه من ظروف حياتية صعبة، وأما أفكار العجز وضعف الإمكانية والخيبة فإنها ما إن تسكن في العقل حتى تتحول إلى حقائق عند صاحبها، فتتخشب طاقاته وتتوقف إرادته عن التقدم لخطوة واحدة!!
النفس البشرية تتفاعل مع ما تتلقاه من رسائل وكلمات بنحو إيجابي يدفعه للعمل المثابر أو بشكل سلبي يثبطه ويضعف قواه وإرادته، فهي تتحول بمرور الوقت إلى معتقدات راسخة تتحكم في سلوكنا اليومي وتُترجم على أرض الواقع على شكل خُطى وتصرفات عملية، فإذا تردد لمسامع الإنسان عبارات تخور عزيمته بسببها مثل “لا أستطيع” أو “سأفشل بالتأكيد”، فإن العقل الباطن يتعامل مع هذه الجمل كأوامر حتمية وواقع ميداني يتحرك في إطاره ومحتواه، فتعمد هذه البرمجة السلبية على تعطيل المهارات وتهيئة الأجواء للإخفاق والتخلي عن أهدافه الحياتية، وفي المقابل فإن الخطاب الداخلي الإيجابي يعيد توجيه العقل نحو التركيز على الحلول والفرص المتاحة والتكيف مع الظروف الصعبة ومواجهتها.
وهذا ما يسلط الضوء على مفهوم النجاح والإخفاق وكيفية نشوء أحدهما كقناعات فكرية، فيولد أحدهما كومضة فكرية تنمو عبر التكرار حتى تصبح بحكم الجزم والقناعة الصلبة، فالإنسان الذي يثق بنفسه ويؤمن بكفاءته يرى في العقبات تحديات مؤقتة قابلة للتجاوز عبر قليل من التأمل والحكمة والصبر والبحث عن البدائل، بينما يرى فيها صاحب النظرة السلبية أدلة دامغة على عجزه وتأكيدا على قناعة تشكلت في ذهنه بأنه لا يستطيع وهذه العقبات والعراقيل خير دليل على ذلك، لذلك فإن إعادة صياغة الحوار الداخلي تعد خطوة محورية أولى نحو بناء الشخصية المرنة القادرة على مواجهة تحديات الحياة وتحقيق الإنجازات المرجوة.



