12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة (٩): صديق أم خصم مستتر

الصداقات الناجحة مكسب عظيم على مستوى منح الفرد الأمان والطمأنينة الاجتماعية؛ وذلك من خلال الإحساس بوجود سند حقيقي له في تحقيق تطلعاته ومواجهة الظروف الحياتية الصعبة، إذا ما اتسمت العلاقة بالوضوح والشفافية والبساطة، بعيدًا عن التكلف وخلق الحواجز المصطنعة بين الطرفين.

أما تلك العلاقة التي تسقط فيها جدارية الاحترام، وتُتجاوز فيها حدود شخصية الآخر، فإنها آيلة إلى الانفصام والتشظي في نهاية المطاف؛ وخصوصًا إذا ما أصبحت عفويتنا مادة للسخرية والانتقاص، أو غدت ثقتنا بالآخر وسيلة لتمرير مواقف مؤذية ومؤلمة بنحو مستمر.

مسؤولية الكلمة وأخلاقيات النقد

تعتمد الصداقة الحقيقية على مبدأ تحمل المسؤولية لكل ما يصدر منا من كلمات أو تصرفات وسلوكيات؛ فحرية التعبير لا تعني مطلقًا التجاوز والإساءة للآخر، كما أن صراحة الموقف لا ترتبط بالكلمات القاسية والجارحة.

فالنقد البناء يراعي الحالة النفسية للآخر ويقدر ظروفه؛ لذا يخاطبه بكلمات منتقاة وراقية، واختلاف وجهات النظر وسرديات الآراء المتباينة لم تكن يومًا لتبنى على تمزيق الاحترام.

الأمان النفسي وجوهر العلاقة الناضجة

يحتاج الإنسان في إقامة صداقاته إلى الشعور بالأمان والارتياح النفسي القائم على التقارب الفكري والانسجام الوجداني؛ وهو أن يجد مساحة يستطيع فيها التعبير عن نفسه بعفوية وببساطة، دون أن يخشى السخرية أو الانتقاص أو استغلال نقاط ضعفه ضده.

فالصداقة الحقيقية ليست مجرد اشتراك في الاهتمامات، أو كثرة اللقاءات، أو تبادل المزاح؛ بل هي علاقة تمنح الإنسان شعورًا بالقبول عند الآخر والتقرب منه، وتجعله أكثر قدرة على أن يكون على طبيعته دون أن يتخذ من الحذر الدائم وسيلة لحماية نفسه.

وتتجلى قيمة الصديق أيضًا في طريقة تعامله مع عيوب صاحبه وأخطائه ومخاوفه، والأمور التي لا يحب أن تكون موضعًا للتندر والتعايُب والاستهزاء.

تجاوز الحدود وتزييف المبررات

إن من المحطات الصعبة في تكوين الصداقات الحقيقية هي التجاوز على شخصية الطرف الآخر مع تسويق مبررات لذلك؛ كاتهام الآخر بالحساسية المفرطة تجاه أي كلمة وتفسيرها بنحو خاطئ، وكأن الصداقة تمنح أحد الطرفين حصانة من المسؤولية عن مشاعر الآخر وإيذائه بحجج واهية.

وما أصعبه من موقف حين يتحول فيه مشهد الصداقة إلى هجمات مستبطنة، وطرف آخر يأخذ دور الدفاع عن الذات؛ لتفقد علاقتهما حيويتها ودورها في بث الأمان والراحة النفسية!

ولا يعني ذلك أن الصداقة ينبغي أن تأخذ منحى تجنب المصارحة أو المزاح أو النقد؛ والعلاقات الناضجة تتسع للاختلاف مع احترام قناعة الآخر وتفهم وجهة نظره والعمل المستمر في مساحة التلاقي والتفاهم المشتركة، لكنها تميز بين الصراحة التي تساعد الإنسان على النمو واكتشاف أخطائه، والقسوة وإيذاء المشاعر التي تنتقص من كرامته.

فمن علامات المحبة والرقي الأخلاقي أن يراجع الإنسان أسلوبه، لا أن يصر على جرح الآخرين بحجة أنهم يعرفونه جيدًا؛ إذ إن الصداقة الناضجة ينبغي أن تكون سببًا لمزيد من مراعاة المشاعر، لا مبررًا لتجاوز الحدود.


error: المحتوي محمي