09 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ما وراء المنطق

تروي المراجع أن امرأتين تنازعتا في طفل، وكل واحدة منهما تدعي أنه ابنها، من غير بينة تحسم الأمر. لما عرضت القضية على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، استدعى المرأتين ووعظهما، لكنهما بقيتا على ادعائهما. حينها قال الامام: «ائتوني بمنشار». المرأتين في تلك اللحظة سألتاه عما سيصنع بالمنشار، قال إنه سيقد الطفل نصفين، ويعطي لكل واحدة منهما نصفه. سكتت إحداهما، بينما سارعت الأخرى متوسلة أن يترك الطفل حيا ويسلمه لمنافستها. عندها عرف الإمام الأم الحقيقية، فالتي آثرت أن تخسر طفلها على أن تراه يموت هي الأجدر بأمومته.

لم يكن المنشار هو الحل، ولم يكن تقسيم الطفل حكما يراد تنفيذه، وإنما كانت الفكرة في نقل القضية من مساحة الادعاء، حيث تستطيع كل واحدة أن تقول ما تشاء، إلى مساحة تكشف فيها المشاعر ما عجزت الكلمات عن كشفه. هنا تكمن عبقرية الحل: لم يواصل الإمام البحث داخل المشكلة بالطريقة نفسها، وإنما غيّر زاوية النظر إليها حتى جعل الحقيقة تكشف عن نفسها.

هذه القصة القديمة تحمل معنى يتجاوز الحكمة القضائية إلى مهارة نحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى. فعندما لا يقود الطريق المعتاد إلى الحل، قد يكون علينا أن نغادر الطريق نفسه. وهذا جوهر ما يمكن أن نطلق عليه التفكير خارج الصندوق، ألا نبقى أسرى للزاوية التي ظهرت منها المشكلة، بل نبحث عن زاوية أخرى تغير شكلها ومعناها، وربما حجمها أيضا.

الإنسان المعاصر لا يعاني نقصا في المشكلات، وإنما يعاني أحيانا فقرا في أدوات المواجهة. أزمة مالية يعالجها بفائض من القلق، خلاف عائلي يواجهه بمزيد من الجدل، وضغط في العمل يرد عليه بتوغل مفرط في العمل، وعلاقة متوترة يتم إصلاحها بتكرار نفس الحديث والمفردات. تتغير الأيام، لكن الأداة تبقى واحدة، نحاول فتح الباب ذاته بنفس المفتاح ثم نستغرب أنه لا يفتح.

التفكير خارج الصندوق لا يعني تجاهل المنطق، ولا البحث عن حلول غريبة لمجرد الاختلاف، وإنما يعني تحرير العقل من افتراضاته الأولى. بعض المشكلات لا تحتاج إلى جهد أكبر بقدر حاجتها إلى رؤية مختلفة. قد يكون الحل في حذف شيء بدلا من إضافته، أو في تغيير التوقيت بدلا من تغيير الهدف، أو في التنازل عن مكسب صغير لحماية قيمة أكبر.

أكثر ما يرهق الإنسان أنه يتعامل مع الصعوبات وكأنها خلل استثنائي في الحياة. يريد طريقا خاليا من المرض والاختلاف والخسارة، بينما تخبرنا التجربة البشرية أن هذه الأشياء جزء لا يتجزأ من نسيجها. النضج لا يجعل الطريق خاليا من الحجارة، لكنه يعلم الإنسان كيف يغير مساره عندما يجد حجرا أمامه، وكيف يلتف حول ما لا يستطيع إزاحته، وكيف يتوقف حين يكون الاستمرار أكثر كلفة من التراجع.

حتى في أزماتنا الشخصية، يمكن لهذه النظرة أن تغير الكثير. بدلا من أن ينشغل الإنسان دائما بكيفية تغيير الآخرين، يستطيع أن يغير طريقة تعامله معهم. عوضا من استنزاف نفسه في محاولة السيطرة على ظروف لا يملكها، ينقل جهده إلى المساحة التي يملكها بالفعل. علينا أن لا نعتبر كل خسارة نهاية، وإنما نتعامل معها باعتبارها إعادة ترتيب لأولوياتنا. أنا هنا أشاطرك الرأي أن الأزمة لا تختفي، ولكن تتغير علاقتنا بها، وهذا من شأنه وحده أن يلعب دورا هاما في تغيير مجرى النتيجة.

حكمة أمير المؤمنين عليه السلام لم تكن في المنشار، بل في إدراكه أن الحقيقة لن تظهر باستمرار الجدال، فغيّر المشهد كله. ونحن أيضا أمام بعض أزماتنا لا نحتاج دائما إلى قوة أكبر أو جدال أطول أو محاولات أكثر، بقدر ما نحتاج إلى اكتشاف الزاوية التي لم ننظر منها إلى المشكلة بعد. فالحياة لن تتوقف عن وضع العقبات أمامنا، لكن الإنسان يستطيع أن يتعلم ألا يقف أمام كل عقبة بالعقلية نفسها.

في النهاية عندما تصبح الصعوبات في وعينا جزءا من طبيعة الطريق، لا يعود كل تعثر كارثة، ولا كل باب مغلق نهاية. عندها نتعلم فنا أكثر نضجا من البحث عن حياة بلا أزمات: أن نمتلك عقلا لا تنفد منه الطرق كلما انسد طريق.


error: المحتوي محمي