روي عن الإمام الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«أُفٍّ لكلِّ مسلمٍ لا يجعلُ في كلِّ جمعةٍ يومًا يتفقَّهُ فيه أمرَ دينه، ويسألُ عن دينه».
المصدر: بحار الأنوار، ج 1، ص 176.
الجمعة… عبادةٌ تتجاوز المحراب
اعتاد كثيرٌ من المؤمنين أن يجعلوا ليوم الجمعة برنامجًا روحيًا مميزًا؛ يفتتحونه بتلاوة القرآن الكريم، وقراءة الأدعية، وأداء الصلوات المستحبة، والإكثار من الصلاة على محمد وآل محمد، والتصدق، وسائر الأعمال المباركة التي تزخر بها كتب الأدعية، ومنها كتاب مفاتيح الجنان.
وهي أعمال جليلة تُنعش الروح، وتُزكّي النفس، وتوثّق صلة الإنسان بخالقه.
ولكن، هل فكّرنا يومًا في أن نضيف إلى برنامجنا العبادي عملًا آخر لا يقل أهمية، وهو عبادة التعلّم والتفقّه وبناء الوعي؟
حين تلتقي العبادة بالمعرفة
إن الحديث النبوي الشريف يفتح أمامنا أفقًا تربويًا وثقافيًا عميقًا؛ فالمؤمن لا يكتفي بأن يعبد الله، بل يسعى إلى أن يعبده على بصيرة، وأن يعرف أحكام دينه، ويفهم واجباته ومسؤولياته.
فكما تحتاج الروح إلى الدعاء والذكر، يحتاج العقل إلى العلم والمعرفة. وكما نحرص على تنمية رصيدنا الروحي، ينبغي أن نحرص على تنمية رصيدنا الفكري والثقافي.
فكم من إنسانٍ يواظب على الصلاة، لكنه إذا عرضت له مسألة تتعلق بصحة صلاته أو طهارته أو عبادته، وجد نفسه حائرًا لا يعرف حكمها الشرعي!
ومن هنا تتجلّى أهمية التفقّه في الدين؛ لأن المعرفة تُضيء طريق العبادة، وتجعل الإنسان أكثر وعيًا بممارساته الدينية وسلوكه اليومي.
اجعل للجمعة موعدًا مع كتاب
ما أجمل أن يكون في برنامجنا الأسبوعي موعدٌ ثابت مع المعرفة!
خصص لنفسك في كل يوم جمعة نصف ساعة، أو حتى ربع ساعة، تجعلها للقراءة والمطالعة والتفقّه.
اختر كتابًا في الأحكام الشرعية، أو العقيدة، أو السيرة، أو الأخلاق، أو الثقافة الإسلامية، واقرأ منه صفحات محددة، وتأمّل فيما تقرأ، ودوّن ما يستوقفك من أفكار، واسأل أهل الاختصاص عمّا أشكل عليك فهمه.
ولا تستصغر هذه الدقائق؛ فصفحات قليلة تقرؤها كل أسبوع قد تتحول، مع مرور الشهور والسنوات، إلى رصيدٍ معرفي ثمين، وثقافةٍ راسخة، وبصيرةٍ تنعكس على عبادتك وسلوكك وحياتك.
فالعلم لا يُبنى دفعةً واحدة، وإنما تصنعه المداومة، وتُنمّيه القراءة، ويُثمره التأمل والعمل.
الجمعة… يوم التثقيف الذاتي
لنجعل من يوم الجمعة محطةً أسبوعيةً لتجديد الروح وتنمية العقل؛ يومًا نقترب فيه من الله بالدعاء والعبادة، ونقترب فيه من فهم دينه بالعلم والمعرفة.
فلا ينبغي أن يكون نصيب العقل من يوم الجمعة أقل من نصيب الجوارح من العبادة؛ إذ إن كمال التدين لا يتحقق بكثرة الأعمال وحدها، بل بما يصاحبها من وعيٍ وبصيرة.
وحين نجمع بين الصلاة والقراءة، وبين الدعاء والتفقّه، وبين تزكية النفس وتنمية المعرفة، فإننا نصنع لأنفسنا برنامجًا إيمانيًا وثقافيًا متكاملًا.
همسة الجمعة
كما تجعل في يوم الجمعة وقتًا تتزوّد فيه روحك بالدعاء، اجعل فيه وقتًا تُنير فيه عقلك بالعلم؛ فالدعاء يفتح للقلب أبواب القرب من الله، والمعرفة تُضيء للإنسان طريق العبادة والبصيرة.
فلتكن لك في كل جمعة صفحةٌ تقرؤها، ومسألةٌ تتعلّمها، وفكرةٌ تتأملها؛ حتى لا تنقضي الجمعة إلا وقد ازددتَ قربًا من الله، ونورًا في عقلك، ووعيًا في حياتك.



