12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

خرابيش مريض… من سوالف المتقاعدين 

ليس كل من يرتفع صوته... سيئ الخلق. وليس كل من يعتذر... كان مخطئاً منذُ البداية.

أحياناً يجتمع على الإنسان وجع الجسد وحرارة الطقس وطول الانتظار... فينفجر في وجه أول شخص يقف أمامه… ولو كان بريئاً لا يملك من الأمر شيئا.

الشهر الماضي وتحديداً يوم السبت 5 سبتمبر…
وبعد أن أنهيت موعدي مع الطبيب ووصف لي الدواء… اتجهت إلى مكتب التأمين بانتظار الموافقة على الأدوية.

هناك رأيت موقفاً استوقفني... فقلت في نفسي: هذه حكاية تستحق أن تُكتب.

ما إن وصلت إلى مكتب التأمين حتى كان أمامي رجل في السبعينات من عمره يرفع صوته بعصبية في وجه موظفة التأمين قائلاً:

"بعد خدمة أكثر من خمس وثلاثين سنة في الشركة... تعاملوننا هكذا؟ تؤخروننا وكثير من الأدوية لا توافقون عليها"

كانت الموظفة تحاول تهدأته بكل أدب وتشرح له أن الأمر ليس بيدها وأنها فعلت كل ما تستطيع وما زالت تنتظر موافقة شركة التأمين على بقية الأدوية.

لكن الرجل ظل غاضباً حتى تدخل بعض الحاضرين وهدّؤوه .

ثم جاء وجلس بجانبي في مقاعد الانتظار.

بعد أن تبادلنا السلام وعرف أنني كنت أعمل في الشركة نفسها  قلت له مبتسماً:
عندنا مثل في الشركة يقول:
"الضغط يبي حجة"

أخذ نفساً عميقاً  وقال:
ماذا تريدني أن أفعل؟ هكذا يعاملوننا!!

أعدت عليه مبتسماً:
"الضغط يبي حجة"

ثم قلت له:
من أجلك وأجل صحتك... لا تتنرفز وتصرخ… ثم يرتفع ضغطك وربما تبتلى به إلى ما لا نهاية.

وهذه الفتاة على المكتب في حسبة ابنتي وابنتك وليس لها علاقة بتأخير الأدوية أو رفضها من شركة التأمين.
هي موظفة فقط وقد عملت ما عليها.

ساد الصمت لحظات... ثم قال بهدوء:
"اعذرني... الحر الشديد والرطوبة العالية أثّرا  علي"
قلت له ضاحكاً:
هذا الطقس يؤثر حتى في الجبال والبحار... أفلا يؤثر فيّ وفيك؟

ابتسم لأول مرة وقال:
"المفروض أن أكون الآن مع زملائي في الديوانية هناك… وليس هنا"
سألته:
وأين هم الآن؟
قال بسرعة… "فيتنام"

ثم أكمل:
"نحن مجموعة من اثنين وعشرين متقاعداً. كل صيف نسافر معاً إلى دولة معتدلة الطقس ونقضي هناك معظم الصيف وكل سنة نختار بلداً مختلفا"

ثم أخذ يعدد رحلاتهم:
"هذه السنة في فيتنام وقبلها في إندونيسيا وقبلها في ماليزيا والبوسنة وجورجيا وتركيا وأذربيجان..."

قلت بإعجاب:
ما أجمل فكرتكم!!
فضحك وقال:
"حتى لا يرتفع ضغطنا… ونتهاوش مع الناس بسبب هذا الطقس الذي لا يُطاق"

ثم أكمل ممازحاً:
"تصوّر... لو كنت الآن مع جماعتي في فيتنام لما احتجت إلى دواء ضغط ولا دواء كوليسترول… ولا هم ولا غم"

ضحكتُ وقلت:
ولما احتجت أيضاً أن تغضب من موظفة في عمر ابنتك.

هز رأسه وقال… نعم...
فقلت له:
إذن اعتذر لها... فدموعها لم تجف بعد.

قال: نعم... بكل تأكيد.

ولم يكد ينهي حديثه حتى نودي باسمه.
توجّه إلى الموظفة واستلم موافقة الدواء ثم رأيته يعتذر إليها وكان مما سمعته يقول:
"سامحيني... طقسنا لا يرحم"

ابتسمت الموظفة وقبلت اعتذاره... وانصرف عنها مبتسماً وقد جفّت دموعها.

وقبل أن يغادر مرّ بي وودّعني وشكرني على حديثنا.

ودعته… وأنا أحدّث نفسي...
كم من إنسان يرتفع ضغطه فيرتفع معه صوته ويجرح من لا ذنب له ثم يعلّق كل ذلك على حرارة الطقس!!

نعم... قد يكون للطقس نصيبٌ من ضيقنا وعصبيتنا وقد يكون للمرض والانتظار نصيبٌ آخر...
لكن كل ذلك لا ينبغي أن يرفع حرارة أخلاقنا.


error: المحتوي محمي