في هذه الحياة، هناك أمور كثيرة نسعى إليها، ونتمنى أن تتحقق كما نريد، ونبذل من أجلها ما نستطيع من جهد ووقت ودعاء، ثم نجد بعض الأبواب مغلقة، وبعض الطرق لا تُفتح أمامنا، وقد تتعطل أمور كنا نظن أنها قريبة من التحقق. وفي تلك اللحظات، يبدأ الإنسان بمراجعة نفسه، ويتساءل: لعلني قصّرت، أو لم أبذل ما يكفي من الجهد، وربما يحمّل نفسه فوق طاقتها، ويظن أن ما حدث نتيجة تقصير منه.
لكن عندما نتأمل في واقع الحياة، ندرك أن ليس كل باب مغلق يعني أننا مقصرون، وليس كل أمر لم يتحقق يعني أننا أخطأنا الطريق؛ فهناك أمور ليست بأيدينا، مهما بذلنا من أسباب، ومهما حاولنا وتمنينا. وهنا تتجلى حقيقة الإيمان بالله، بأن يعرف الإنسان حدود قدرته، ويؤدي ما عليه، ثم يجعل الأمر عند الله سبحانه وتعالى، الذي يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى، ويعلم ما يصلح لنا وما قد يضرنا.
وقد يمنع الله عنا أمرًا نحبه، لأن وراء المنع رحمة، ووراء التأخير حكمة، ووراء إغلاق باب ربما يكون هناك باب آخر لم نكن نراه. وقد تُغلق الأبواب كلها في وقت واحد، فيشعر الإنسان أنه وحيد، وأن الطريق قد انتهى، وأنه لم يعد يملك شيئًا يفعله.
وهنا يأتي دور التوكل على الله، فالتوكل ليس استسلامًا للعجز، ولا تركًا للأسباب، وإنما هو أن يعمل الإنسان بما يستطيع، ويأخذ بالأسباب، ثم يسلّم النتائج لخالق الأسباب. فإذا بذلت ما تستطيع، ولم يتحقق ما تريد، فلا تقسُ على نفسك، ولا تجعل قلبك أسيرًا للوم والتفكير المستمر، وقل لنفسك: ما دمت قد بذلت ما أستطيع، فقد أديت ما عليّ، وما بقي فهو عند الله.
وربما كان الشيء الذي ظننته خسارة بداية لخير أكبر، وربما كان التأخير حماية، وربما كان المنع عطاءً بصورة لم نفهمها في وقتها. لذلك، إذا ضاقت بك الأمور، فلا تجعل الضيق يضعف يقينك، ولا تدع إغلاق الأبواب يجعلك تظن أنك غير قادر أو أنك مقصر، فعدم تحقق ما تتمناه لا يعني بالضرورة أنك قصّرت في السعي إليه.
وتذكّر أنك إنسان، لك طاقة وحدود، وهناك أمور فوق قدرتك، وأخرى لا تملك تغييرها مهما حاولت. فاجتهد، واصبر، وادعُ الله، واستمر في فعل الخير، ثم ارفع الأمر إلى من بيده الأمر كله، قال الله سبحانه وتعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
واجعل قلبك مطمئنًا، وقل: يا رب، فعلت ما استطعت، وبذلت ما أقدر عليه، وأنت أعلم بحالي، فأنا أستودعك أمري، وأتوكل عليك، وأرضى بما تختاره لي، فما عند الله خير، وما يختاره الله لعبده أرحم وأحكم، وإن تأخر فهمنا لذلك الاختيار.
ولعل من أجمل ما نتعلمه في الحياة أن نبذل الأسباب بأيدينا، ونترك النتائج لله بقلوبنا، فلا نحمل أنفسنا فوق طاقتها، ولا نجعل كل تأخير اتهامًا لأنفسنا، ولا نظن أن كل باب مغلق هو نهاية الطريق. فربما يكون خلف ذلك الباب خير لم يحن وقته بعد، وربما يأخذنا الله إلى طريق أجمل مما كنا نتمنى.
فاطمئن، وافعل ما تستطيع، ثم اجعل الأمر عند الله، وتوكل على خالقك، فهو سبحانه أرحم بك من نفسك، وأعلم بما يصلح لك. وعندما يستقر هذا المعنى في القلب، يصبح الإنسان أكثر هدوءًا، وأقل قلقًا، وأشد يقينًا بأن ما كتبه الله له سيأتيه، وأن ما لم يُكتب له فلن يكون له، وأن تدبير الله لعبده خير من تدبير العبد لنفسه.
وعلى الله فتوكل، وكفى بالله وكيلًا.



