12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من الأمثال القطيفية: «خفيف الطينة مثل السچينة»

والسچينة هنا ليست للضرب، ولا للأذى، وإنما للمعنى الذي عرفه الأولون من حسم الأمور؛ تقطع الشك باليقين، وتنهي التردد، وتوصل إلى الحقيقة من أقصر طريق.

وهكذا بعض الناس.

تلقاه هادي، خفيف على القلب، ما يزاحم أحد في الكلام، ولا يرفع صوته حتى يثبت وجوده. يجلس في المجلس مثل أي واحد من الجماعة، يسمع السالفة من أولها إلى آخرها، وإذا تكلم… قال كلمة تخلي الصورة تكتمل.

ما يحتاج يكثر الكلام.

كلمته مثل السچينة؛ خفيفة في يدها، حاسمة في فعلها.

وهذا شيء يعرفه أهل القطيف زين.

في مجالس الفريگ القديمة، ما كانت قيمة الرجال بكثرة الحچي، ولا بمن يرفع صوته أكثر. كان الرجل يُعرف من طينته: كيف يسلم، كيف يجلس، كيف يسمع، وكيف يختلف.

تلقى واحداً هادياً، ما يدخل في كل سالفة، ولا يحب أن يكون هو واجهة المجلس. لكن إذا التبست الأمور، أو صار في السالفة أخذ ورد، قال كلمة موزونة، فإذا بالشك ينتهي، والسالفة تأخذ طريقها. ويقولون الحاضرين زبط الوزنة

هذه قوة الهدوء.

اللطف ليس ضعفاً، والهدوء ليس عجزاً.

الضعيف يحتاج أحياناً إلى رفع صوته حتى يشعر أنه قوي، أما الواثق فلا يحتاج إلى ذلك. يعرف ماذا يريد، ويعرف متى يتكلم، ومتى يسكت، ومتى يضع حد من غير أن يجرح.

والقطيف كانت تعرف هذا النوع من الرجال.

رجالاً  يمرون في الفريگ بهدوء، يجلسون في المجلس، وتدور دلة القهوة والسوالف، ولا تسمع منهم إلا الكلام الذي له معنى. وإذا اختلفوا، بقيت المودة. وإذا قالوا «لا»، ما جعلوها خصومة.

لأن الحزم شيء، والخشونة شيء آخر.

الحزم أن تكون واضحاً.

أما الخشونة فهي أن تجعل وضوحك أذى للآخرين.

ولهذا فالإنسان اللطيف ليس بالضرورة إنساناً سهلاً. قد يكون شديداً في الحق، ثابت في موقفه، واضح في حدوده، لكنه لا يحول قوته إلى أذى.

مثل الماء في ساقية السواقي؛ يمشي بهدوء، لكنك تعرف أنه في طريقه إلى الأرض، وأن أثره سيظهر في النخل والثمر.

هكذا بعض الناس.

لا يملأون المكان ضجيج، لكنهم يملأونه معنى.

ولا يفرضون هيبتهم على الناس، بل تأتيهم الهيبة من حسن طينتهم.

لذلك أعجبني في حكمة الأولين أنهم لم يقولوا: قوي مثل السچينة، بل قالوا: خفيف الطينة مثل السچينة.

فالخفّة هنا ليست خفة عقل أو شأن، وإنما خفة حضور، وسلاسة معاشرة، وهدوء في الطبع؛ ثم تأتي لحظة الحقيقة، فتكون الكلمة حاسمة، تقطع الشك باليقين، لا القلوب بالجراح.

وهنا يكون اللطف قوة.

وتكون الهيبة بلا صراخ.

وتكون الكلمة الطيبة… أبلغ من ألف كلمة


error: المحتوي محمي