12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الرسم على الجدار(قصة)

لا يخلو منزل فيه أطفال من بعض المشاغبات؛ فهي عادات مشتركة بين الأطفال لا علاقة لها بنقص التعليم أو التربية. ومن أبرز هذه المشتركات أن يمسك الطفل قلماً ويبدأ بالرسم العشوائي على جدران المنزل، أو على الأثاث، أو أي سطح أمامه حتى وإن توفرت لديه كراسات الرسم.

فاطمة طفلة في الخامسة من عمرها، تلعب وتلهو في أرجاء المنزل. ذات مساء، أمسكت بيدها الناعمة علبة أقلام التلوين، وأخذت تكتب ما تعلمته في الروضة من أحرف وأرقام وأشكال من وحي خيالها البسيط بخطوط متعرجة، وهي مبتسمة وكأنها ترسم لوحة فنية لفنان كبير: حرفٌ هنا باللون الأزرق، ورقمٌ بجواره باللون الأحمر، وشجرةٌ وشمسٌ باللون الأصفر، وبعض الزهور المتناثرة حول بركة ماء يحفها عشب باللون الأخضر، حتى اكتملت لوحتها الفنية ذات الطابع الطفولي. كانت أقلام التلوين متناثرة في الغرفة، ويداها قد أخذتا نصيبهما من الألوان، وهي تتمتم بأغاني طفولية مما حفظته في الروضة ومن قنوات الأطفال.

بعدها جلست على سريرها تلاعب دميتها المفضلة، تتحدث وتضحك معها وكأنها تتبادل الأحاديث مع صديقة تفهم لغتها؛ إنها الطفولة... عالمٌ من الخيال الواسع.

لحظات وإذا بالباب يُفتح، إنها أمها. نظرت الأم إلى فاطمة وهي تلعب بدميتها فابتسمت ابتسامة الأم لطفلتها، ثم أدارت وجهها ناحية الجدار، وهنا اختفت الابتسامة وحلّت مكانها الدهشة والوجوم.

شعرت فاطمة بشيء من الخوف، فربما ستعنفها وتُعاقبها أمها على هذا العمل. أدارت فاطمة وجهها نحو أمها بابتسامة طفولية بريئة وكأنها تطلب العفو والصفح.

تأملت الأم تلك الرسومات للحظات، ثم توجهت نحو فاطمة وجلست على السرير معها، رفعت كلتا يديها واحتضنتها إلى صدرها، وأخذت تقبلها وتقول: «يا حبيبة أمها، هل أنتِ من رسم هذه اللوحة الجميلة؟». فاطمة ذكية منذ طفولتها، فلم تُجبها عن سؤالها مباشرة، بل سألت أمها بصوت ملؤه براءة: «هل أنتِ غاضبة مني يا أمي؟»، فلعلها فطنت إلى ما فعلت.

أدارت الأم رأسها ناحية الجدار وأخذت تتأمل الرسومات مرة أخرى، فتهلل وجهها وابتسمت وقالت: «أنتِ فنانة يا فاطمة، وهذه الرسومات من أروع ما رأيتُ في حياتي!». قفزت فاطمة واحتضنت أمها وأخذت تقبلها.

في تلك اللحظة، عادت ذاكرة الأم إلى ماضيها وتذكرت أنها كانت تحب الرسم في طفولتها، ولكن لم يشجعها أحد ولا التفت إليها أحدهم لينمي لديها هذه المهارة، حتى تلاشت منها في زحام الحياة.

كان بإمكان الأم أن تُعنف وتُحبط وتُعاقب ابنتها فاطمة على هذا السلوك، ولكن عوضاً عن ذلك أردفت حانية: «لقد أبهجتِ قلبي بهذه الرسومات الجميلة يا فاطمة، ولكِ مستقبل مبهر! وسأشتري لكِ سبورة كبيرة وكراسات ملونة لكي ترسمي عليها بدلاً من الحائط».

ولم تكتفِ الأم بالكلمات؛ بل وفرت لابنتها كل ما يحفز إبداعها، وألحقتها بدورات تدريبية صقلت مهاراتها... ومرت الأيام، لتكبر فاطمة وتتحول تلك الخطوط العفوية على جدار الغرفة إلى لوحات فاخرة، وتصبح رسمياً «الفنانة فاطمة».


error: المحتوي محمي