قال شاعر الحكمة عبدالله الطلحي الهذلي:
«العافية والستر مع راحة البال
هذي الثلاث أعدها رأس مالي
ياللي تقول الغالي أشريه بالمال
اللي يجي بالمال ماهوب غالي»
بيتان، ولكنهما ميزانُ حياة، وخلاصةُ تجارب، وحكمةٌ لو عُرضت على خزائن الدنيا لرجحت بها الكفّة، وسكنت بها النفس، واستقامت بها الصفّة.
نركض خلف المال حتى تتعب الأقدام، ونُرهق الأبدان حتى تمتلئ الحسابات بالأرقام، ثم قد نكتشف متأخرين أن أكبر رصيدٍ لم يكن في المصرف، بل في جسدٍ لا يشتكي، وقلبٍ لا يكتوي، وبيتٍ عليه ستر الله، ونفسٍ تنام ليلها وليس في صدرها خوفٌ ولا بلاء.
ما قيمة قصرٍ واسع وصاحبه يتقلب على سرير المرض؟ وما نفع سيارةٍ فارهة لمن لا يستطيع قيادتها؟ وما لذة مائدةٍ عامرة لمن مُنع طعامها؟ هنا نفهم قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: «الصحة أفضل النعم»، وقوله: «لا عيش أهنأ من العافية». بل جعل صحة البدن أفضل من سعة المال، ثم رفع فوقها تقوى القلب؛ لأن سلامة الجسد نعمة، وسلامة الروح غنيمة.
فلا تُهلك صحتك لتجمع مالًا، ثم تنفق المال لتسترد صحتك؛ ولا تجعل العمل يسرق نومك، والطموح يأكل عمرك، والمنافسة تحرق أعصابك. خذ من الدنيا ما يعينك، ولا تعطها من نفسك ما يفنيك. امشِ كل يوم، وخفف ما يضر بدنك، وافحص صحتك، ونظّم نومك، وصل رحمك، واجلس مع من تحب؛ فبعض الدواء في صيدلية، وبعضه في سجدة، وبعضه في ضحكة حفيد، وبعضه في قلبٍ لا يحمل حقدًا على أحد.
وحتى شاعرنا الطلحي يعود إلى المعنى نفسه حين ينصح بالابتعاد عن «أصحاب النفوس المريضة» ومن تكون أحاديثهم سببًا للضيق؛ لأن صحة الإنسان ليست نبضًا وضغطًا وسكرًا فقط، بل خاطرٌ مرتاح، وصدرٌ منشرح، ونفسٌ لا تنهشها الخصومات.
وقد لخّص أمير المؤمنين عليه السلام حقيقة الدنيا فقال: «الدنيا دار ممرّ لا دار مقرّ». فلا تجعل الممرَّ يأخذ منك زاد الطريق، ولا تجعل جمع الزائل يُضيّع عليك نعمة الحاضر.
احفظ صحتك قبل أن تتمنى عودتها، واحمد الله على عافيتك قبل أن تعرف ثمنها، وتمسّك بالستر قبل أن تشعر بقيمته، واحرس راحة بالك من الناس والأخبار والخصومات والديون؛ فما كل غالٍ يُشترى، وما كل ثريٍّ غني.
فالغنى الحقيقي: جسدٌ معافى، وبيتٌ مستور، وقلبٌ مطمئن؛ وما سوى ذلك أرقامٌ تزيد وتنقص، أما هذه الثلاث… فهي رأس المال الذي إذا ذهب، عرفت أن كل ما كنت تملكه كان قليلًا.



