06 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

متنبي الستين.. حكاية الكبير والحكمة!

عندما يصل عدّاد العمر إلى ستين سنة، وما فوق، يعرف الإنسان كثيرًا من الأشياء بحكم التجربة. ستون سنة؛ صفعة من هنا وصفعة من هناك، نجاح هنا وفشل هناك، طيحَة وقومَة، تجارب متناقضة تعبئ طاسة العقل بما ليس في الكتب.

بعدما يتحول الاسم من "فلان" إلى أبي فلان ويغزو الشيب ما بقي من شعر الرأس يكبر العقل ويمتلئ بالتجارب. لست أنا فقط من يقول هذا الكلام، أنّ  الحكمة تأتي مع العمر، التجارب والمشاهدات، الواقع يحكي أننا عندما نكبر تنضج قراراتنا على موقد السنوات.

كم في المقابر من حكمة مدفونة؟

ماذا لو قضى لقمان عليه السلام حياته صامتًا لم يقل لابنه حرفًا واحدًا؟ لا! لقمان لم يخبئ حكمته وخبرته في صدره. قالها لابنه وها نحن نقرؤها في قرآن أنزله الله سبحانه وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وآله حتى يقوم يوم القيامة!

إذن حضرتك إذا كان الأمر بدهيًّا وطبيعيًّا، تسلم به كل العقول، إذا كبر الإنسان كبرت حكمته ونضجت تجاربه لماذا تقول لنا شيئًا نعرفه؟

لا شيء سوى أن أحثكَ إذا كنتَ ذا تجربة أن تدونها وتشاركها أبنائك وأن أحثّ الآخرين على الاستفادة من تجارب غيرهم. أن يأخذوا مفاتيح الحكمة والخبرة ممن سبقهم. 

أقولها فوق السطوح، لو عاد بي الزمان ربما نسبة كبيرة من القرارات التي اتخذتها في سنوات الشباب والحماس والطيش ناقصة الحكمة، لن أفعلها في هذا العمر، لكن من المستحيل أن يعود العمر مرة ثانية! عشرات بل مئات القرارات!

إذا تكلم الأب يظن الابن أنه قادمٌ من عالم آخر، عالم متخلف لا يواكب العصر، لكن الواقع أن الأب قادم من عالم تعتّقت فيه التجارب و اختمرت وحان قطافها ناضجةً شهية.

مرة أخرى: أنت تقول لنا كل كبير سنّ حكيم؟ لا! العمر لا يعادل الحكمة؛ فقط أقول أن هناك علاقة قوية بين العمر والحكمة. كم من كبير سنّ فارغ من الفائدة؟ لكل انسان تجاربه، خذ من تجارب غيرك ما يصلح لك. طورها وابني عليها، لتكون تجارب يستفيد منها الآخرون. ما بقي لك من سنين العمر فيها بركة وخير.

هنا أقف صامتًا لأدع الإمام عليّ عليه السلام يتكلم مع ابنه الإمام الحسن عليه السلام في إحدى وصاياه له عن فوائد تجارب الحياة: 

"أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ، قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَتَهُ، تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ".

ربما ترغب أن تقرأ الوصية الرائعة كاملة. فيها حكم أثمن من الدرر!


error: المحتوي محمي