لا شك ولا ريب أن الفعاليات الاجتماعية والثقافية، أينما كانت، لها حضورها وأثرها، وقد تختلف حولها الآراء بين مؤيد ومتحفظ، وهذا أمر طبيعي في كل مجتمع. غير أن أجمل ما في مثل هذه الفعاليات أن نراها من زاوية ما تضيفه إلى الذاكرة المحلية، وما تفتحه من أبواب للمعرفة والتجربة والتواصل.
ومن هنا يأتي مهرجان اللوز بالقطيف بوصفه مناسبة تحتفي بثمرة ارتبطت بالمشهد الزراعي، وبجهد مزارعين طوروا تجاربهم، وحافظوا على شغف الأرض، ونقلوا معرفتهم إلى الناس.
فالقطيف ليست مجرد مكان يزرع فيه اللوز؛ إنها بيئة زراعية لها ذاكرتها الخاصة. من البستان إلى الساقية، ومن النخلة إلى الثمرة، نشأت علاقة طويلة بين الإنسان والأرض، جعلت الزراعة جزءا من تفاصيل الحياة اليومية وذاكرة الأجيال.
ولعل اللوز، بما يحمله من تنوع في الأصناف والأشكال والمذاقات، يقدم لنا صورة جميلة عن هذه العلاقة.
حين أنتج مزارعو القطيف صنفا جميلا من اللوز، أحمر على أصفر، أطلقوا عليه اسم «لوز أبو خد وخد».
وهنا تظهر الروح القطيفية الجميلة؛ فالفلاح لم ير ثمرة فحسب، بل رأى فيها وجها وخدا وجمالا، حتى كأن اللوزة دخلت مجلس الغزل الشعبي، وذكرتنا بالقول:
«قيمر يا بو خد وخد
شوقك بقلبي ورد»
أليس جميلا أن تتحول ثمرة من ثمار البستان إلى صورة من صور الجمال في الذاكرة الشعبية؟ فالفلاح الذي عاش مع الأرض، وتأمل ثمارها، لم يكن ينظر إليها بعين المنتج وحده، بل بعين المحب الذي يرى في كل ثمرة حكاية، وفي كل لون معنى، وفي كل موسم شيئا من جمال الحياة.
وهذه واحدة من أجمل خصال الزراعة: أن الثمرة لا تنتهي عند حدود البستان، بل تنتقل إلى الذاكرة، ثم إلى اللغة، وربما إلى الأغنية.
وإذا كان الفلاح هو أول من يكتشف جمال الثمرة، فإن المزارع اليوم أصبح أكثر وعيا بالتجربة الزراعية وتفاصيلها. فقد تطورت أساليب الزراعة، وتنوعت الأصناف، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالتطعيم والإنتاج وتحسين الطعم والشكل والحجم، بما يواكب ذائقة الناس واحتياجاتهم.
وهنا تبرز تجربة المزارعين الجدد في القطيف، وهي تجربة تستحق التقدير؛ لأن كثيرا منهم لا يكتفي بالزراعة والإنتاج، بل يشارك الناس تجربته ومعرفته، ويشرح ما تعلمه، ويعرض نجاحاته وتجاربه، ويتيح للآخرين الاستفادة منها.
وهذا التحول مهم؛ فالمعرفة الزراعية لم تعد محصورة داخل حدود البستان.
لقد أصبح الهاتف نافذة على المزرعة، وأصبحت قنوات التواصل الاجتماعي امتدادا للساقية التي كانت تنقل الماء بين البساتين؛ فكما كان الماء يصل إلى أكثر من أرض، أصبحت المعلومة الزراعية تصل اليوم إلى أكثر من بيت وأكثر من مزارع.
والجميل في هذه التجربة أن بين المزارعين القطيفيين رجالا ونساء يعملون بروح التعلم والتجربة والمشاركة، ويقدمون محتوى تثقيفيا يستفيد منه المهتم بالزراعة، سواء كان مزارعا محترفا أو هاويا بدأ للتو.
وهذا في حد ذاته مكسب يتجاوز الثمرة.
فحين ينجح مزارع في إنتاج صنف جديد بالتطعيم، أو يحسن جودة ثمرة، أو يكتشف طريقة أنسب للعناية بها، فإن قيمة تجربته لا تتوقف عند محصوله؛ بل تمتد حين يشاركها مع الآخرين.
ومن هنا يمكن أن ننظر إلى مهرجان اللوز باعتباره أكثر من فعالية موسمية.
إنه مساحة يلتقي فيها المزارع بالمستهلك، والخبرة بالفضول، والذاكرة بالتجربة الجديدة. مساحة نستعيد فيها شيئا من علاقة الإنسان القطيفي بأرضه، ونرى كيف تنتقل الزراعة من خبرة الآباء والأجداد إلى تجارب الأبناء والأحفاد.
فالقطيف التي عرفت السواقي والبساتين والنخيل، قادرة أيضا على أن تصنع من تجربتها الزراعية الحديثة قصة جديدة.
وإذا كان اللوز ثمرة، فإن الحكاية الحقيقية خلفه هي الإنسان الذي زرع، وجرب، وطعم، وانتظر، ونجح، ثم شارك تجربته مع الآخرين.
وهنا تكمن قيمة المهرجان:
أن نحتفي بالثمرة، ونكرم المزارع، ونحفظ الذاكرة، ونفتح الباب للمستقبل.
تلك هي القطيف التي نحبها؛ أرضا خصبة، وذاكرة حية، وتجربة تتجدد، ومعرفة لا تبقى خلف أسوار البساتين.



