05 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في يوم المعلم… شكرًا لمن علّمنا وأضاء لنا الطريق

من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة العلم؛ فبالعلم يرتفع الإنسان، ويستنير عقله، ويتسع أفقه، ويعرف طريقه في الحياة. وقد قال الله سبحانه وتعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
سورة الزمر، الآية 9.

فالعلم نور يضيء الطريق، ويفتح للإنسان أبوابًا جديدة في الحياة، والمعلم هو أحد الذين يحملون هذا النور إلى الآخرين؛ فينقل العلم، ويزرع الثقة، ويسهم في بناء الإنسان.

فالتعليم ليس مجرد وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات العمل، وإنما هو رسالة وعطاء، وقد يستمر أثرها سنوات طويلة، وربما بعد رحيل صاحبها.

وفي يوم المعلم، نرفع تحية شكر وعرفان لكل معلم ومعلمة، ولكل من أسهم في بناء عقل الإنسان وتعليمه؛ من معلم المدرسة والجامعة، إلى معلم القرآن، ومعلم العلوم، ومن علّم حرفة أو مهارة، ومن نقل إلى غيره خبرة نافعة أو قيمة جميلة.

فالإنسان لا يولد متعلمًا، وإنما يبدأ رحلة التعلم منذ طفولته، في بيته ومدرسته ومجتمعه، ويتعلم من كل إنسان يضيف إلى حياته معرفة أو خبرة أو خلقًا.

والمعلم لا يبني عقل الطالب فقط، بل يسهم في بناء شخصيته وثقته بنفسه ونظرته إلى الحياة. وقد يقدم له أكثر من معلومة؛ كلمة تشجعه عندما يتردد، ونصيحة توجهه عندما يحتار، وموقفًا إنسانيًا يبقى في ذاكرته سنوات طويلة.

فالمعلم لا يعلّم الطالب بعلمه فقط، بل يعلّمه بسلوكه وأخلاقه وطريقة تعامله؛ وقد تكون القدوة أبلغ من الدرس. فالمربي الحقيقي يترك بصمته في العقل والقلب معًا.

وقد يرى المعلم في الطالب موهبة أو قدرة لا يراها الطالب في نفسه، فيشجعه ويدفعه إلى تطويرها. وربما كانت كلمة من معلم هي التي جعلت طالبًا يختار تخصصه، أو يكتشف موهبته، أو يستعيد ثقته بنفسه، أو يجرؤ على أن يحلم بمستقبل لم يكن يراه ممكنًا.

ومن القصص التي تختصر أثر المعلم، قصة طالب كان قليل الاهتمام بالدراسة ويميل إلى الكسل، لكن معلمه لم يفقد الأمل فيه، بل ظل يشجعه ويقول له: أنت تستطيع، فقط ثق بنفسك وابذل جهدك . ومع الأيام بدأ الطالب يتغير، فاجتهد ونجح وتخرج، حتى أصبح طبيبًا استشاريًا في أحد المستشفيات التخصصية. وبعد سنوات عاد إلى مدرسته، وبحث عن معلمه، وقال له: كنتَ سببًا بعد الله في دفعي إلى الأمام ونجاحي، وأنا اليوم طبيب استشاري، ولم أنسَ فضلك .

كم من معلم نسي كلمة قالها لطالب، بينما ظل ذلك الطالب يتذكرها طوال حياته.

ولهذا فإن نجاح الطلاب من أجمل الثمار التي يمكن أن يراها المعلم. فما أجمل أن يلتقي المربي بأحد طلابه بعد سنوات، وقد أصبح إنسانًا ناجحًا، ثم يسمع منه: كنتَ من الذين شجعوني في بدايتي، ولن أنسى ذلك.

وقد تكون كلمة صادقة من طالب قديم أبلغ في قلب المعلم من كثير من عبارات التكريم؛ لأنها تخبره أن رسالته وصلت، وأن ما زرعه في سنوات التعليم أثمر في حياة إنسان.

وربما مرّ في حياة كل واحد منا معلم لا يزال اسمه حاضرًا في الذاكرة، مهما ابتعدت السنوات؛ معلم نتذكر صوته، أو نصيحته، أو موقفًا صغيرًا منه، وربما لا يعلم هو أن ذلك الموقف ترك فينا بصمة كبيرة.

وأجمل ما نقدمه للمعلم أن يشعر أن ما زرعه فينا قد نما وأثمر؛ أن نشكره، ونذكر فضله، ونعترف بما تركه في حياتنا.

نستطيع أن نقول له:

شكرًا لك على ما بذلت، وعلى صبرك، وعلى وقتك، وعلى الكلمات التي قلتها لنا، وعلى المواقف التي وقفتها معنا، وعلى ثقتك بنا عندما كنا في أمسّ الحاجة إلى من يثق بنا.

ومن أجمل الوفاء ألا ننسى صاحب الرسالة بانتهاء سنوات الدراسة؛ أن نسأل عنه، ونطمئن عليه، ونزوره إن أمكن، ونخبره بأن ما علمنا إياه ما زال حاضرًا في حياتنا.

فليس الوفاء للمعلم أن نتذكره في يوم المعلم فقط، بل أن يبقى حاضرًا في ذاكرتنا ما بقي أثره في حياتنا.

وأحيانًا تكون رسالة قصيرة من طالب قديم كافية لأن تدخل الفرح إلى قلب معلمه، حين يقول له: ما زلت أتذكر كلمتك وموقفك، وكان لك أثر في حياتي.

هذه الكلمات البسيطة قد تعني الكثير؛ لأنها تخبر المعلم أن سنوات عطائه لم تذهب سدى، وأن ما زرعه في عقول طلابه وقلوبهم امتد معهم إلى حياتهم.

وكما نتذكر المعلم الذي ما زال بيننا، لا ننسى من غاب عنا ورحل عن هذه الدنيا. فقد غابوا بأجسادهم، لكن ما قدموه بقي في طلابهم، وفي علمهم، وفي المهن التي ساعدوا أبناءها على إتقانها، وفي الأجيال التي شاركوا في تربيتها وتعليمها.

ومن أجمل الوفاء لهم بعد رحيلهم أن ندعو لهم، ونذكر فضلهم، ونحفظ سيرتهم بالخير، وأن نستمر في العمل بما علمونا إياه؛ فبذلك يبقى شيء من عطائهم حيًا بين الناس.

اللهم ارحم معلمينا الذين سبقونا إليك، واغفر لهم، واجزهم عن علمهم وتعليمهم وخدمتهم خير الجزاء، واجعل ما قدموه من علم وعطاء في ميزان حسناتهم.

ومن الوفاء أيضًا أن نحافظ على ما علمونا إياه، وأن نحول علمهم إلى عمل نافع، وأن ننقل ما تعلمناه إلى من بعدنا؛ فبهذا يستمر العطاء، ولا يتوقف عند حدود الفصل أو سنوات الدراسة.

وفي يوم المعلم، لنتذكر كل من علّمنا علمًا، أو مهارة، أو خلقًا، أو فتح لنا بابًا من أبواب المعرفة.

ولنرسل لمن نستطيع الوصول إليه رسالة شكر، ولنذكر من رحل عنا بدعوة، ولنخبر من بقي بيننا أن ما قدمه لم يُنسَ.

إلى كل معلم ومعلمة: شكرًا لعطائكم، شكرًا لصبركم، شكرًا لمواقفكم، وشكرًا لما تركتموه في نفوس طلابكم من علم وقيم وذكريات جميلة.

قد تنتهي الحصة، وتنتهي سنوات الدراسة، وقد يتقاعد المعلم أو يرحل عن الدنيا، لكن أثر التعليم لا يتقاعد، والعطاء الصادق لا يموت.

فالمعلم لا يترك خلفه كتبًا ومعلومات فقط، بل يترك أشخاصًا يحملون شيئًا من علمه وكلماته وقيمه إلى المستقبل.

فالمعلم قد يغيب، لكن ما زرعه في الإنسان يبقى.

شكرًا لكل معلم أضاء لنا الطريق.

وقال الشاعر:

حيِّ المعلمَ والتعليمَ والعُلَما
وارفعْ لهم فوقَ هاماتِ العُلا عَلَما

حيِّ الذينَ إذا ما أبدعوا ارتفعوا
بهمّةٍ نحوَ آفاقِ العُلا هِمَما

العيدُ أنتم، وأنتم عيدُنا، وبكم
ثغرُ الهنا والعُلا في وجهِنا ابتسما


error: المحتوي محمي