12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أنت أحوج إليها من الفقير

نظنّ أن الفقير هو المحتاج إلى صدقتنا، والحقيقة أن حاجتنا إلى الصدقة قد تكون أعظم من حاجته؛ هو يأخذ منها قوت يومه، وأنت تأخذ منها بركة عمرك، وطهارة مالك، وسكينة قلبك، وأجر آخرتك. هي تصل إلى يده مالًا، وتعود إليك فضلًا، تخرج من جيبك قليلة، وترجع في ميزانك ثقيلة.

والصدقة ليست خسارةً في حساب، بل تجارةٌ مع رب الأرباب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:18].
وقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:261].
فأيُّ استثمارٍ يعطيك وعدًا بسبعمائة ضعف ثم يقول لك الكريم بعدها: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟

وقال النبي ﷺ: «ما نقصت صدقةٌ من مال»؛ فالرياضيات تقول إنك إذا أنفقت نقص الرصيد، ولكن البركة تقول إن ما عند الله لا يخضع لحساب الأرقام وحدها؛ فقد ينقص الرقم، ويزداد النفع، ويُدفع الضر، ويُفتح باب رزق لم يكن في الحسبان.  وقال ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»؛ فلا تحتقر ريالًا، ولا قارورة ماء، ولا وجبةً صغيرة، فربَّ قليلٍ عندك عظيمٍ عند الله.  ومن جميل ما ورد في فضل صدقة السر: «صدقة السر تطفئ غضب الله».

فلا تجعل الصدقة مشروعًا يحتاج إلى موعد وميزانية واجتماع! اجعلها أسلوب حياة: ضع في سيارتك مبلغًا صغيرًا، فإن رأيت محتاجًا أعطيته، واجعل في بيتك صندوقًا تضع فيه كل يوم ريالًا أو خمسة أو عشرة، ثم ادفعه نهاية الأسبوع أو الشهر إلى جهة موثوقة. واجعل لك مبلغًا شهريًا ثابتًا تتبرع به إلكترونيًا، ومن الوسائل المتاحة في المملكة منصة إحسان، وهي منظومة وطنية غير ربحية توصل التبرعات عبر شركائها إلى المستفيدين الأشد احتياجًا.

وإن خرجت صباحًا فخذ معك ماءً باردًا؛ قد تمر بعامل نظافةٍ أجهدته الشمس، فتسقيه فتروي جسدًا، ويروي الله روحك أجرًا؛ وقد قال ﷺ: «في كل ذات كبد رطبة أجر».  وإن لم تجد إنسانًا محتاجًا، فاسقِ شجرةً في طريقك، أو أطعم طائرًا، أو ضع طعامًا لمحتاج، أو ساهم في علاج مريض، أو اكفل يتيمًا، أو سدّد عن معسر، أو شارك في مشروع نفع عام؛ فأبواب الخير أكثر من أن تُحصى، ولكنها تحتاج قلبًا يرى، ويدًا تعطي، ونفسًا لا تُسوِّف ولا تُبطئ.

لا تنتظر البلاء لتتصدق، ولا تنتظر الغنى لتجود؛ تصدق وأنت صحيح، وتصدق وأنت مشغول، وتصدق في الرخاء قبل الشدة. اجعل بينك وبين الله صدقةً لا يعلم بها أحد؛ فقد يكون ريالٌ أخفيته عن الناس، بابًا فتحه الله لك من السماء.

فالفقير قد يحتاج مالك ساعة، أما أنت فتحتاج أثر صدقتك دنيا وآخرة؛ أعطِ لتُعطى، وارحم لتُرحم، وأنفق ولا تخشَ الفقر؛ فمن كانت تجارته مع الله، فكيف يخاف الخسارة؟


error: المحتوي محمي