إننا في أمسِّ الحاجة إلى استحضار قيمة الجمال في حياتنا الاجتماعية الحاضرة، متمثلين الحكمة القائلة: “كُن جميلاً تَرَ الوجودَ جميلاً”؛ لا سيما وأن ديننا الحنيف، وقرآننا الكريم، وشريعتنا السمحاء، ونبينا المصطفى -صلى الله عليه واله وسلم واهل بيته، هم جوهر الجمال والكمال في أسمى صوره.
في ظل التراجع الملحوظ في الذوق العام والأخلاق لدى البعض في مجتمعنا، يتعين علينا التأكيد على أن مفهوم الجمال ليس محصوراً في المظهر الخارجي أو الملبس. بل يمتد ليشمل جمال القلب، الذي يظهر في نقاءه من مشاعر الحقد والحسد والضغينة. يكمن هذا الجمال في السعي لنشر الخير للجميع، والارتقاء بالنفس من خلال الالتزام بآداب الإسلام واحترام الآخرين. فهذا التعامل الراقي يعكس جوهر العقيدة وأثرها على سلوك الفرد والمجتمع.
جوهر الجمال الحقيقي يتجلى في نقاء السريرة وسمو الأخلاق. فالمظهر الخارجي، مهما كان أنيقًا، لا يمكنه أن يغني عن جوهر الإنسان وما يمتلكه من قيم نبيلة. لذلك، من المهم التركيز على الجمال الداخلي عبر التحلي بالأخلاق الحميدة، وسلامة الصدر، والتعامل بروح سمحة، مع الحفاظ على العفوية والابتعاد عن التكلف. فالمواقف هي المحك الحقيقي الذي يكشف عن معادن النفوس.
تبني هذا النهج الصحيح يمنح الإنسان طمأنينة النفس ورضا كاملاً بقضاء الله وقدره، كما يعزز لديه الحكمة في فهم مفهوم العطاء والمنع. لذلك نشدد على أهمية التركيز على جوهر الإنسان بدلاً من مظهره، والالتزام بتجاوز الهفوات، والبحث عن مكامن الجمال في الآخرين. من يمتلك السلام الداخلي ونقاء الروح يدرك الجمال في كل ما حوله، ويصبح انعكاساً للذوق والرقي الإنساني.
الجمال قيمة ترتبط بالغريزة والعاطفة وتثير شعوراً إيجابياً تجاه الأشياء. فهو يمثل الحسن والروعة والكمال، ويتجلى في مدى انسجام الشيء مع قيمته وجماله. كما جاء في الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وآلة وسلم، “إن الله جميل يحب الجمال”. الجمال هو إحدى القيم التي يسعى البشر لتحقيقها باختلاف ثقافاتهم ومجتمعاتهم عبر العصور.
يشعر الإنسان بجمال الطبيعة عندما يتأمل شروق الشمس، حيث يتجسد الجمال في لوحات نابضة بالحياة وروح ملونة. ينبعث الجمال من خلال النور الساطع، محولًا الحياة إلى لحظات تجمع بين القلوب، وتزيدها إشراقًا بالمعاني المتلألئة. يكمن الجمال في تآلف الأغصان وتغريد العصافير في الصباح الهادئ، وفي ضحكة طفل بريء وسط إشراقة شمس النهار، كما يتجلى ذلك في دفء حضن الأم، أو في مشاعر الغبطة التي تغمر الأب وهو يترقب بلهفة قدوم مولود جديد أو نجاح أبنائه. الجمال يتجلى في حفِيفُ الأشْجار، في السماء الصافية، في البحر ونحن نتأمله ليرسم بجماله لوحة جميلة لتعكس جمال الطبيعة التي نتمتع بها فالبحار والأنهار والأشجار والسماء تمثل عجائب الوجود التي نراها وننبهر بجمالها، وكأننا نراها لأول مرة. حتى لو قضينا معظم وقتنا في التأمل في جمال البحر، لن نشعر بالملل، ولا يمكن للضيق أو الهم أو الحزن أن يجد له مكانًا في نفوسنا.
ونراه في قطرات المطر التي تمس الأطفال وتبلل أوراق الأشجار، بينما نقف خلف النافذة نستمتع بصوتها كأنها موسيقى تبهج الروح. يظهر الجمال حين تنظر إلى زوجتك بنظرة حب ووداد، وتراها كشقيقة للروح.
إذا أردت إن تكون جميلًا، فعليك إن تجمِّل نفسك بالأخلاق، وتهذبها بالقيم، وتصلحها بالعلم، وتجردها من أمراضها، إذا فعلت ذلك؛ وجدت كل من حولك جميلًا، كان لك أثرٌ عند المحتاجين لما عندك، والفقراء لما أوجدته في نفسك. وتزدانُ جمالاً حين تستهلُّ يومك بالصلاة والدعاء، حين تبدأ صباحك بابتسامةٍ صادقة، وحين تنشرُ السلام على كل من تلقاه، وحين تُفسح في قلبك وعقلك لأفكار الآخرين، فتصغي إليها بإنصاتٍ وتقدير، دون تهميشٍ أو استع
وفي حين أن الرياضة تغذي الجسد، والعبادة تقوي الروح، والعلم ينمي العقل، فإن الجمال يبعث الحياة في الوجدان ويرفع الإنسان إلى أسمى المراتب.
لذا، كن دائمًا مهذبًا ولطيفًا وبأدب في تعاملك، فهي صفات تعكس رقي الشخصية وتشير إلى جمال النفس. أرى أن احترام الذات يستدعي تقديم التقدير والاحترام للآخرين، حيث لا يرتدي الإنسان لباسًا أجمل أو أنبل أو أروع من الأخلاق الحميدة. عندما ينجذب الإنسان إلى الجمال ويهتم به ويمتلك الأشياء الجميلة، فإن ذلك ينبع بشكل طبيعي من ميول فطرية، فقد أراد الله، خالق الجمال، أن يكون الجمال بمظاهره المختلفة مصدرًا لرضا الإنسان وسعادته.
كن البادئ في ارتداء وسام السكينة والطمأنينة، وستكتشف في الوجود جمالاً يفوق توقعاتك. انشر تفاؤلك وكل ما هو إيجابي في مسيرتك، واستمد من التحديات قوةً ترفعك نحو التميز. في رحلتك يكفيك زاد التقوى لمواجهة الصعوبات. كم يتطلب الموقف مني جهدًا لاختيار الكلمات المناسبة التي تعبّر عن حماسك وتلهمك. كن رائدًا في الجمال، ولا تكن آخر من يضع أدواته عندما يقترب الغروب.
كن جميلاً: يومك لا ينتهي بمجرد انتهاء المهام؛ فالطيور لم تعد بعد إلى أعشاشها، والليل لم يسدل ستاره، والموسيقى لم تكتمل لأن رحلتك لم تنتهِ بعد. من ارتقى إلى قمة الريادة كان بفضل الصدق والإخلاص. لنجعل وجودنا سهلاً على القلوب، ونجعل أخلاقنا أروع ما يُقال عنا.. فالأموال قد تُفقد، والمناصب قد تزول، والمظاهر قد تتغير لكن حسن الخلق يبقى أجمل إرث يتركه الإنسان بعد رحيله.
كن جميلاً بأخلاقك قبل مظهرك، وبقلبك قبل كلماتك، وبأثرك قبل حضورك. انطلق منذ الآن وكن جميلًا وكن ذهبًا، واحرص على ألا تضغط على نفسك. لا تسعَ إلى الكمال لأن الكمال لله وحده. دُمتَ جميلاً عزيزي القارئ.



