ليس كل ما يقال لنا يستحق أن يغضبنا، وليس كل رأي يختلف عنا يستحق أن ندخل معه في نقاش طويل. أحيانًا يكون نضج الإنسان في الطريقة التي يتعامل بها مع ما يزعجه أكثر من الموقف نفسه.
نحن بشر نتأثر ونغضب ونشعر بالظلم، خصوصًا عندما يأتي النقد من شخص لا يعرف ظروفنا ولا يعرف القصة كاملة. لكن الاتزان الانفعالي لا يعني ألا نشعر، وإنما يعني ألا نسمح لمشاعرنا في لحظة غضب أن تقودنا إلى تصرف نندم عليه بعد ذلك.
الشخص الواثق من نفسه لا يشعر بأنه مطالب بتفسير كل خطوة يقوم بها، ولا يعيش في حالة دفاع دائم عن نفسه؛ فهو يعرف أن الناس يرون الأمور من زوايا مختلفة، وأن لكل إنسان تجربته وطريقته في فهم الحياة.
وقد يكون أبسط رد هو أكثرها راحة:
هذه وجهة نظرك.
ثم تنتهي المسألة.
ليس لأنك عاجز عن الرد، وإنما لأنك تعرف أن بعض النقاشات لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن الانتصار.
لكن الاتزان لا يعني أن نصمت دائمًا أو نقبل الإساءة. هناك مواقف تحتاج إلى رد واضح، وهناك حدود يجب أن توضع، لكن الفرق أن تقول ما تريد وأنت هادئ، دون أن تسمح لغضبك بأن يجعلك تتجاوز حدودك أو تجرح من أمامك.
قد يوجه إليك شخص ملاحظة أمام الآخرين بطريقة لا تليق، ويمكنك أن ترد بهدوء:
أتفهم ملاحظتك، لكن الأفضل أن نناقشها بهدوء.
بهذه الجملة حفظت حقك دون أن تحول الموقف إلى معركة.
ومع مرور الوقت نتعلم أن رضا الجميع أمر مستحيل، وأن محاولة إرضاء الجميع قد تجعل الإنسان يخسر راحته، وربما يخسر نفسه.
لذلك استمع للنقد عندما يكون صادقًا ومفيدًا، واعترف بخطئك عندما تخطئ، وخذ من كلام الآخرين ما يساعدك على أن تكون أفضل، واترك ما قيل بدافع التجريح أو الاستفزاز.
لا تجعل رأي الآخرين هو المقياس الذي تقيس به قيمتك.
وفي هذا المعنى يقول الإمام علي عليه السلام:
وكن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعًا
يُرمى بحجرٍ فيلقي أطيبَ الثمرِ
فليس المطلوب أن نرد الإساءة بالإساءة، ولا أن نسمح لكلمة عابرة بأن تغيّر أخلاقنا أو تسرق منا هدوءنا.
فالإنسان الذي يعرف نفسه جيدًا لا تهزه كل كلمة، ولا يستفزه كل رأي، ولا يحتاج في كل مرة إلى أن يثبت للآخرين من يكون.
وأحيانًا تكون أقوى إجابة لمن أساء فهمك أن تستمر في حياتك بهدوء، وأن تترك أفعالك تقول ما لا تحتاج إلى شرحه بالكلام.
فالهدوء ليس ضعفًا،
والصمت ليس عجزًا،
وعدم الدخول في كل معركة ليس هروبًا.
إنما هو أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تدافع عن حقك، ومتى تترك الأمر يمر.
وهذه في النهاية إحدى علامات النضج الحقيقي:
أن لا تمنح كل موقف أكثر مما يستحق، ولا تمنح كل شخص القدرة على أن يسرق منك هدوءك…



