12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

المعلم.. أسرار مهنة ولمسة حانية

جلستُ على فراشي واتكأت على مخدتي أعرف أن يومًا شاقّا ينتظرني، ولكنني ما زلتُ أشعر بالنوم، وقفتُ أمام سريري وأنا أودّعه إلى مكان أفضل منه بكثير بل يحسدني عليه الكثير من الناس.

وبعينين شبه مغمضتين عرفتُ طريقي، فقد كان النور ساطعًا والخطوات واضحة جدًا.

ترجّلتُ من المركبة متجهة إلى ذلك المبنى الضخم، مكان ممتلئ بالحياة بشتى أنواعها، فهناك التفاعل البشري بكلمة مشرقة، أو بابتسامة جميلة، أو بوردة جميلة تقدمها لي فتاة جميلة.

أعرف أنّ هذا اليوم هو عيد المعلم وأتذكره جيدًا، فأنا أفرح به كثيرًا مثل فرح الأطفال بعيد الفطر السعيد؛ هم يفرحون بهدايا العيد ويشعرون بمتعة الملابس الجديدة ويتسابقون لأخذ «العيدية».

أما أنا فمصدر سعادتي وسرّ فرحتي في يوم عيد المعلم قلم رصاصٍ تقدّمه لي إحدى الفتيات الصغيرات، تحمله لي ببراءة وهي تقول: أيامك سعيدة معلمتي.

وعظيم فرحتي في هذا اليوم الجميل وفرحة كلّ معلم ومعلمة عندما يخصّنا نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:

«إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»

المعلم القدير لا يبحث عن مال يزيد دخله فقط، وإنما يؤمن بأن الكلمة وسيلة لبناء نفسه أو هدمها؛ فأما يُذكر بخير ويدخل القلوب، أو تلاحقه لعنَات من تسبّب في إيذائهم نفسيًا أو جسديًا.

عملي ليس روتينًا معتادًا، بل هو عمل إنسانيّ اجتماعيّ عظيم؛ يتجدد بموقف إنساني، ويضيف لي خبرة جديدة بلمسة حانية أو سرّ غار في أعمق أعماقي، فيقرّبني من قلوب فتيات بعمر الزهور لأكون سرّ سعادة إحداهن، فنلتقي يومًا ما عند مفترق الطرق فتأخذ هي بيدي تصف لي العلاج المناسب، أو حتى تجلسني بجانبها في مكان عام نتبادل أطراف الحديث، فتذكّرني بأحداث أُقفلت في ذاكرتي فتفتحها من جديد، ولا أملك حينئذ سوى شكرها وتقديرها.

تحياتي القلبية الصادقة لكل من صادفتها بعد سنوات من طالباتي العزيزات، فذكرتْ لي كلمة صادقة أعادت شريط ذكرياتٍ جميل لم أنسه أبدًا، وإنما حرّك بداخلي مشاعر الحبّ التي زُرعت منذ سنوات وأثمرت تصريحات قويّة جدًا أعانتني على التجديف بين أمواج الحياة العاتية.

فشكرًا لفاطمة عبدالكريم النمر، رئيسة قسم البصريات في المغربي.

وشكرًا لكوادر مجلس العزاء في حسينية اللباد على كلماتهم الطيبة الرائعة.

وشكرًا لابنتي عواطف الجميع لأنها ظلت محتفظة بمذكرة اللغة العربية لعشرين عامًا، وشكرًا جزيلًا لابنتي الدكتورة خولة النمر التي ذكرتني بهدية جميلة في خضم دراستها في جمهورية مصر العربية.

وغيرهن الكثيرات التي لا تتسع الصفحات لبصمتهن الراقية.

ويعجز لساني عن شكر ابنتي وطالبتي الكاتبة المبدعة بعطائها: غفران عويشير، التي تسعفني دائمًا بأفكارها القيّمة.

اللهم اجعل التّعليم شافعًا لنا يوم نلقاك، واجعل لنا أثرًا طيبًا لا يُمحى، يذكرنا به أحبّة لنا بعد مواراتنا الثرى.


error: المحتوي محمي