03 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

حكاياتٌ لم تُروَ

عاد الحاج أبو جاسم من أداء العمرة وزيارة النبي وأهل بيته عليهم السلام، وقد امتلأ قلبه بطمأنينة الزيارة وحنينها. وما إن استقر في بيته حتى أرسل إلى إخوته وأقاربه رسالةً يخبرهم فيها بشوقه إلى رؤيتهم والحديث إليهم، ويقول إن باب منزله مفتوح لهم، وإنه سيستقبلهم بالورد والريحان.
ثم التفت إلى ولده جاسم وقال:
— سيأتينا أقاربنا الليلة.
أجابه جاسم مبتسمًا:
— أهلًا وسهلًا بهم يا أبي.
قال أبو جاسم:
— الله الله في حسن ضيافتهم.
طمأنه جاسم:
— لا تقلق يا أبي، كل شيء جاهز: الفواكه والحلويات والمكسرات والعصائر… كل ما نحتاج إليه.
جلس أبو جاسم على الأريكة، وأخذ يستعيد تفاصيل رحلته، كأنما يرتبها في قلبه قبل أن يرويها. قال في نفسه:
سأحدثهم أولًا عن الفندق؛ كان فخمًا أنيقًا، ولم أكن أتوقع أن يكون بهذه الروعة. ثم أخبرهم عن الوجبات؛ كانت لذيذة ومتنوعة. وبعدها أروي لهم عن برامج الحملة؛ فقد كانت منظمة، والزيارات إلى الحرم منتظمة، والرحلات في مواعيدها. ثم أحدثهم عن الأماكن التاريخية التي زرناها…
ظل يرتب حكاياته في ذهنه، ويختار لكل ذكرى مدخلًا جميلًا، حتى أقبل المساء.
وصل الأقارب، فنهض أبو جاسم لاستقبالهم بوجهٍ بشوش، وعينين يفيض منهما الشوق. صافحهم واحدًا واحدًا، ورحّب بهم بحرارة، وأجلسهم في صدر المجلس، وهو يردد:
— نوّرتم البيت، والله لقد اشتقنا إليكم.
دخل جاسم يحمل صينية الشاي والقهوة، ثم عاد بأطباق الحلويات وسلة فاكهة زاهية الألوان. وما إن استقر الضيوف في أماكنهم حتى قال أبو جاسم:
— أهلًا بأبناء العم… كم اشتقت إلى جلستكم وحديثكم!
قال جاسم:
— نعم، كان الوالد ينتظركم بشوق.
ثم شرع يحدثهم عن الرحلة، فقال إن أباه، حين عزم على الزيارة، بحث عن أفضل حملة، وإنه هو من نصحه بالسفر بالطائرة بدلًا من الذهاب برًّا. ومضى يتحدث عن شركات الطيران، والفروق بينها، ومواعيد الرحلات وخدماتها.
أنصت الحاضرون إليه باهتمام. وكان في المجلس كبار العائلة؛ منهم الأكاديمي، وصاحب التجربة الطويلة في الحياة، والمتقاعد الذي يحمل من خبرة عمله حكاياتٍ كثيرة.
أما أبو جاسم، فكان يستمع إلى ابنه، ويترقب فرصةً يبدأ فيها حديثه. وكلما همَّ بالكلام، سبقه جاسم إلى حكاية أخرى.
قال جاسم:
— هل تذكر يا أبي حين سافرت معنا في العام الماضي؟
أجاب أبو جاسم:
— نعم، أذكر…
لكنه لم يكمل؛ فقد بادر جاسم إلى سرد الحكاية، واسترسل في تفاصيلها.
ومضت ساعة كاملة، والحديث لا يزال لجاسم. حتى قال أحد الحاضرين، وهو يستعد للمغادرة:
— جدد الله أسفاركم يا ابن العم، لقد تأخر الوقت، ونستأذنكم.
قال أبو جاسم، وقد تحركت على شفتيه بقية حكاياته:
— ولكن…
غير أن جاسم قال مسرعًا:
— لقد استمتعنا بالحديث معكم، أليس كذلك يا أبي؟
ابتسم أبو جاسم ابتسامةً خفيفة، وأومأ برأسه.
غادر الأقارب المجلس، وبقيت حكايات أبي جاسم معلّقةً في صدره، تنتظر أذنًا تصغي إليها. ثم مضى إلى غرفته، يحمل معه كلامًا لم يُقَل، وذكرياتٍ لم تجد طريقها إلى المجلس.

همسة تربوية
لا تسلب أباك فرحة الحديث؛ أفسح له المجال ليروي، وأنصت إليه بمحبة، فحُسن الإصغاء من جميل البرّ والاحترام.


error: المحتوي محمي