12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إمشي يا حَرّة ما عليكِ مَضَرّة

من الأمثال الشعبية التي تختزن في كلمات قليلة حكاية طويلة، ذلك المثل القطيفي: «إمشي يا حَرّة، ما عليكِ مَضَرّة».

قد يبدو المثل في ظاهره خطاباً  لامرأة، وكأنه حديث عن امرأة تمضي في طريقها غير آبهة بما يقال حولها، لكن المثل، في معناه الأعمق، يتجاوز المرأة إلى الإنسان؛ رجلاً كان أو امرأة. إنه حديث عن المضي في الحياة دون أن يجعل الإنسان خطوته أسيرة لعيون الآخرين.

فكم من إنسان أوقفته كلمة، وأربكته مقارنة، وأثقلته نظرة، حتى أصبح يعيش حياته وفق ما يراه الناس، لا وفق ما يراه هو صالحاً له.

«إمشي يا حَرّة» ليست دعوة إلى العناد، ولا إلى تجاهل النصيحة، وإنما هي صورة للإنسان الذي يعرف طريقه، ويمضي فيه بوعي، ما دام لا يظلم ولا يؤذي ولا يعتدي على حق أحد.

أما «ما عليكِ مَضَرّة»، فهي بيت الحكمة في المثل كله؛ أي امضي ما دمتِ في سلامة من الضرر، وما دمتِ لا تحملين أذى لأحد، ولا تجعلين خطوك على حساب الآخرين.

وهنا يلتقي المثل مع واحدة من أكثر مشكلات حياتنا المعاصرة حضوراً: سباق المظاهر.

لقد تحولت أشياء كثيرة وُجدت لخدمتنا إلى مقاييس نقيس بها أنفسنا أمام الآخرين. فالبيت الذي كان سكناً صار عند البعض عنواناً للمفاخرة، والمركب الذي اختصر المسافات صار وسيلة لإثبات المكانة، واللباس الذي غايته الستر والجمال أصبح أحياناً ميداناً للمقارنة.

والبيت، في الذاكرة القطيفية، لم يكن يوماً مجرد جدران. كانت البيوت القديمة، على بساطتها، تتسع للمحبة والجيرة وصلة الرحم. وكانت النخلة في الحوي رزقاً وظلاً وذاكرة، والساقية التي تمر بين البساتين حياة تسري في الأرض قبل أن تسري في الماء.

لم تكن قيمة البيت في كبره، بل في أهله. ولم تكن قيمة النعمة في حجمها، بل في بركتها.

فما نفع بيت واسع إذا ضاقت فيه النفوس؟ وما قيمة مظهر باهر إذا ترك صاحبه أسيراً لنظرات الناس؟ وما جدوى أن نملك الأشياء إذا أصبحت هي التي تملك وقتنا وقلقنا وراحتنا؟

إن الإنسان الحكيم لا يرفض النعمة، ولا يعتذر عن جمال ما يملك، لكنه يعرف موضعها. يأخذ من الدنيا ما يعينه على الحياة، ولا يجعل حياته كلها تدور حول ما يملك.

يمشي… ولكن لا يؤذي.

يطمح… ولكن لا يحتقر.

يتجمل… ولكن لا يتكبر.

يمتلك… ولكن لا يستعبد نفسه لما امتلك.

وهذا، في ظني، هو المعنى الأبعد لذلك المثل القطيفي الجميل: امشِ في طريقك، وخذ من الدنيا ما يصلح لك، ولا تجعل كلام الناس قيداً على خطاك، ما دمت لا تضر أحداً ولا تتجاوز حقاً .

فالحياة أقصر من أن نقضيها في مراقبة ما عند الآخرين، وأوسع من أن نحصر قيمتنا في بيت أو مركب أو لباس أو مظهر.

وفي آخر المطاف، لا يبقى من كل ذلك إلا ما تركناه في القلوب.

فـ إمشي يا حَرّة… ما عليكِ مَضَرّة؛ فالمثل وإن خاطب امرأة بلفظه، فإنه يخاطبنا جميعاً بمعناه: امضِ في الحياة بكرامتك، وبساطتك، وطمأنينتك، ودع للناس عيونهم، وللحياة طريقها .


error: المحتوي محمي