لا أحد منهما يتذكر مَن بدأ.. هي تقول إنه تغيّر.. وهو يقول إنها لم تعد كما كانت.
وبعد كل هذه السنوات يصعب على الاثنين أن يعرفا أين بدأت الرقصة.. وقد لا يكون أحد منهما قد بدأها!
في المرة الأولى رفعت نبرة صوتها قليلًا لأنها شعرت أنه لا يسمعها.. فسكت ففهمت سكوته على أنه تجاهل.. فأعادت كلامها بصوت أعلى.. ففهم صوتها على أنه هجوم.. “تصارخ عليه”.. فانسحب.. فلحقت به بالكلام.. فانسحب أكثر.
ومنذ ذلك اليوم وهما يتدربان على الرقصة نفسها دون أن يعرفا أن لهما رقصة.. فهي تتقدم كلما ابتعد.. وهو يبتعد كلما تقدمت حتى أتقناها!
بعد سنوات صار يكفي أن تتغير نبرة صوتها ليعرف خطوته التالية.. ويكفي أن يقلب بوجهه لتعرف هي خطوتها.
لا موسيقى في البيت ومع ذلك يرقصان جيدًا! والمشكلة أن كليهما يعتقد أنه يدافع عن الزواج.. هي تلح لأنها تريد أن تسمع منه كلمة أو ترى اهتمامًا أو تنهي الخلاف قبل أن يناما.. وهو يسكت لأنه يريد أن يوقف الشجار قبل أن يكبر.. ويمنع كلمة قد يندم عليها.. ويترك الأمر حتى يهدأ.
هي ترى سكوته هجرًا.. وهو يرى إلحاحها حصارًا.
الأخصائي النفسي الأستاذ ناصر الراشد سمّى هذا في محاضرته التفاعلية “الرقصة المدمرة” في العلاقة الزوجية.. دائرة يصبح فيها سلوك أحد الزوجين سببًا في سلوك الآخر ثم يعود السلوك الثاني فيغذي الأول.. وقد تمضي سنوات وكل واحد منهما مشغول بإثبات أن الآخر بدأ.. بينما الخطوة التي يكررها كل مرة تأخذه بعيدًا عن شريكه.
وتحدث الراشد عن دقائق يومية للحديث ومعرفة تفاصيل عالم الشريك والتهدئة عند اشتداد الانفعال.. وعن أن الأثر السلبي الواحد يحتاج إلى رصيد أكبر من السلوك الإيجابي حتى تستعيد العلاقة توازنها. وربع ساعة يجلسان فيها معًا والهاتف بعيد عنهما ولا شيء يقاطع حديثهما قد تفتح كلامًا تأخر كثيرًا.. يقول أحدهما ما يريده ويسمعه الآخر حتى ينتهي.
وبعد عشرين سنة لن يعود الزواج إلى يومه الأول.. مرّت بينهما سنوات وتغيّر فيها الكثير وبقي بينهما ما يستحق أن يجلسا من أجله ربع ساعة أخرى.
وقد يختلفان غدًا أيضًا.. فهذا بيت فيه اثنان.. لا بيت يعيش فيه شخص بمفرده.. لكن الخلاف هذه المرة لا يحتاج أن ينتهي بالرقصة نفسها.
فمَن بدأ الرقصة؟ لا أحد منهما يتذكر..
لكن أحدهما أو كلاهما يستطيع أن يتوقف.



