لا أعرف متى تحولت القهوة من مجرد مشروب إلى عادة يومية يصعب التخلي عنها. أدمنت شربها، لكنني حين أفكر في مقاطعتها أتساءل، ماذا فعلت القهوة حتى نقاطعها..
هي تمنحك ما يكفي لتبدأ يومك بشكل مختلف، انتعاشاً، ومزاجاً، وصحوة في الحواس. وحتى مرارتها لها مذاقها الخاص، وتلك اللذعة التي توقظ حواسك تبدو أحياناً وكأنها تقول لك، استيقظ، فما زال في اليوم متسع.
وللقهوة قدرة عجيبة على صناعة الألفة. كم من حديث بدأ بفنجان، وكم من فكرة نضجت حول طاولة تتوسطها أكواب القهوة.. في جلسات الأهل والأصدقاء والأقارب، تحضر القهوة وكأنها فرد من أفراد المجلس.
قد تكون سوداء، أو ممزوجة بالحليب، ولكل طريقة عشاقها ومزاجها الخاص. وقد ترافقك في اجتماع، أو أثناء إنجاز مشروع، أو في لحظة تفكير تبحث فيها عن حل لمشكلة. أما في السفر، فللقهوة حكاية أخرى، طريق طويل، سيارة، وكوب قهوة في متناول اليد.. وكأن المشهد لا يكتمل إلا بها.
ورغم أن خبرتي في عالم القهوة ليست طويلة، فإن حاسة الشم والذوق جعلتني أكثر انتباهاً لتفاصيلها. رائحة البن وتحولاتها، وما تحمله من إيحاءات مختلفة، جعلتني أكتشف أن القهوة لم تعد محصورة في مذاقها التقليدي، فهناك إيحاءات الشوكولاتة والعنب والفواكه وغيرها، حتى يخطر لك أحياناً السؤال، هل هذا كوب قهوة أم رحلة قصيرة بين الحواس..
ومع ذلك، تبقى للقهوة مكانتها الخاصة. فهي ليست مجرد مشروب، بل لحظة نعيشها، وطقس نعتاده، ورفقة نبحث عنها دون أن نشعر.
وفي الأول من أكتوبر، اليوم العالمي للقهوة، تلتقي القهوة بثقافاتها ومذاقاتها المختلفة حول العالم. وفي السعودية، للقهوة حكاية أعمق، فهي جزء من ذاكرتنا وهويتنا الاجتماعية والثقافية.
فما إن تقع عينا الضيف على الدلّة السعودية وفناجين القهوة الصغيرة، حتى يشعر أن الترحيب قد سبقه إلى المكان.
للدلّة حكاية، وللفنجان طابع تاريخي وتقليدي اختصرته أجيال متعاقبة في مشهد بسيط، لكنه عميق المعنى. وما بين الهيل والقرنفل والبهارات التي تختلف من منطقة إلى أخرى، تتشكل للقهوة السعودية نكهتها الخاصة، وتبقى طريقة تقديمها جزءاً من جمالها.
القهوة عندنا ليست مجرد فنجان يُحتسى، إنها كرم ولقاء وذاكرة تمتد من مجالس الآباء والأجداد إلى مقاهي اليوم. ومع انتشار المقاهي وتنوع طرق التحضير، أصبح لكل شخص كوبه المفضل ومزاجه الخاص، لكن بقيت القهوة محتفظة بمكانتها.
وربما لهذا السبب لا أستطيع مقاطعتها.
فالقهوة ليست فقط ما نشربه، بل ما يحدث حولها، حديث، ولقاء، وفكرة، وذكرى، وربما لحظة صمت نحتاجها بعيداً عن ضجيج اليوم.
احتسوا قهوتكم حيث يحبها القلب، ومع من ترتاح لهم الروح. فالقهوة لا تسأل كثيراً عن السبب.. يكفي أن تقول، أحتاج قهوة.
وبعدها.. لكل حادث حديث.



