علاقاتنا الاجتماعية لا تخلو مما يكدر الصفو ويفسد الود، بينك وبين أفراد أسرتك وأقاربك وجيرانك، مرورًا بأصدقائك. وفي الأمثال الشعبية عند بعض البلدان يقولون: «حتى مصارين البطن تتهاوش».
لكن الغريب أن تُطلب منك الخصومة والعداوة وأنت بعيد عنها! إذ إن بعضهم يقع بينه وبين آخر عداوة وخصام، فيقع الصديق المشترك بينهما في حرج، حتى إن أحدهما قد يطلب منه مقاطعة ذلك الصديق. والحق أن تلك خلافات شخصية لا ينبغي أن نجرّها إلى بقية الأصدقاء والمعارف.
وفي هذا المعنى أتذكّر أنني أثنيت على رجل حين جاء اسمه في معرض حديثنا، وما كدت أنهي حديثي حتى بدأ أحدهم بمقاطعتي، قائلًا: «أنت مخدوع فيه، وما تعرف الناس، واسألني أنا عن هالنوعيات». أما إجابتي فكانت مختصرة جدًا، لكي لا يتطور الأمر إلى جدال لا طائل منه، وقلت: «أنا أشوفه زين ورجال كفو».
ثم إن التجارب تحكي لنا أن من يدخل في خصومة، ويكون مع طرف ضد آخر، إذا عادت المياه إلى مجاريها وزالت العداوة، وجد نفسه هو الطرف المنبوذ، الذي لا أمان له ولا وفاء.
ومن هنا، بات من الضروري ألّا نقحم خلافاتنا الشخصية في حياة الآخرين. مع أن بعضها ليس خلافًا إلى الحد الذي يستوجب العداوة؛ فمعظمها عدم انسجام وتنافر، ربما منذ اللقاء الأول. وقيل في هذا الشأن: «الناس أجناس، ما تآلف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف».
ومهم جدًا أن يستحضر الإنسان في ذهنه اختلاف الطبائع، وأن ما يمر به من خلافات هو شأنه وحده، ولا علاقة للآخرين بها. فقد يتخذ أحدهم موقفًا سلبيًا من شخص ما، بينما يكون ذلك الشخص إيجابيًا معي، وربما أسدى إليَّ معروفًا؛ فبأي حجة أعاديه وأخاصمه؟ لكل إنسان علاقاته وتجربته مع الآخرين، وليس من العدل أن يرث أحدنا خصومة غيره.



