إن احترام الطرف الآخر في العلاقات الاجتماعية والتزام الآداب الأخلاقية والاجتماعية ليس مجرد تصرفات مصطنعة نرتديها كأقنعة جاهزة، ومتى ما جلسنا مع الأصدقاء الذين نرتاح لهم ونأنس بحديثهم نخلع تلك الأقنعة لتسفر عن أنياب مكشرة تنهشهم وتكسر خواطرهم؛ بل إن تلك القيم والآداب هي قوام العلاقات الوازنة والراسخة والمرشحة للاستمرار في وسط زحام المشاهد الحياتية، فهي تعبير عن شخصية الإنسان ووعيه بقيمة الآخر ومكانته عنده.
ولذا فإن حدود الأدب لا تُرفع حتى في أوقات المرح والفكاهة، والتي تبقى في إطار إضفاء أجواء تلطيفية دون المساس بمشاعر الصديق أو خصوصياته؛ فالصداقة الحقيقية تحفظ للآخر مكانته حتى في لحظات المزاح، وحتى في لحظات الانفعال يعمل المرء جاهدًا على ضبط كلماته ومشاعره لئلا تصل إلى مرحلة التهور والتخبط وما يلحقها من ندم شديد بعد ذلك.
إن طول المعاشرة والتعامل مع الصديق تكشف عن نبل الأخلاق والمواقف التي تشيد بحسن اختياره والثقة به؛ فمن نلقاه لقاءً عابرًا ننظر له نظرة عابرة وسريعة من خلال أسلوب حديثه وطريقة تعامله، وأما الصديق فإن المواقف المتتابعة والمستمرة وطول الصحبة يُظهر مدى احترامه وتقديره لنا، وصفاته الأخرى كحفظ الأسرار، وقدرته على الاعتذار عن خطأ، أو تقبل الاعتذار عن إساءة غير مقصودة في حقه، ومستوى ضبط نفسه ولسانه في تبادل الآراء والنقاش حول أفكار وسلوكيات مختلفة.
وهذا لا يعني بالطبع حالة مثالية من العلاقات والسلوكيات التي لا يمارس فيها أي اختلاف، وإنما المودة والاحترام يدعوان إلى أفضل السبل في التخاطب والتعامل؛ فهناك من الصفات السلبية كالتزمت في الآراء أو عدم تقبل النقد والنصيحة وغيرها تزول وتضمحل بسبب التعامل الراقي من الطرف الآخر، وهكذا تصبح الصداقة مدرسة أخلاقية متبادلة بين الأطراف يتعلمون فيها السلوك المقبول والسوي.
يتعلم فيها الإنسان أن المحبة لا تعني التملك والتفرد والفردانية (الأنا المتضخمة)، والقرب لا يعني اقتحام الخصوصيات والتجاوز على الآخر حتى في أدنى حقوقه، والعفوية لا تعني الفوضى والتعامل بأي أسلوب أو كلمة تجرح المشاعر وتسيء للآخر، والصدق والمصداقية لا يعنيان أبدا الحدة في القول التي بالتأكيد لا نقبل أن يعاملنا أحد بنفس هذا الأسلوب القاسي والمؤلم؛ فقد تحمل كلمة جارحة أو ضحكةٌ من الألم وجرح الكرامة -إن لم يُعتذر عنها وشكّلت تراكمًا سلبيًا- ما يؤثر على صفو الود بين الأصدقاء.
إن أرقى الصداقات هي التي يستطيع فيها الطرفان أن يكونا على طبيعتهما دون تكلف مبالغ فيه يفقدهما الأنس والارتياح النفسي، من غير أن يفقد أحدهما احترامه للآخر واعتزازه به؛ فالمحبة إذا ازدادت بينهما شكّلت مسؤولية مضاعفة لحفظها ومراعاة الآداب بينهما؛ لأن الأخلاق الحقيقية لا تختفي عندما تسقط الكلفة، بل تظهر حقيقتها عند سقوطها؛ وذلك من خلال استشعار كل طرف بمحبة واحترام وثقة الآخر.



