13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

لماذا في زمن الحاجة خبزة الصباح وتمرة المساء أشهى وجبة؟

من ذكريات سنوات الطفولة، شح الطعام حتى أن الأمر كان يقتصر أحيانًا على خبزة في الصباح ثم وجبة بسيطة في منتصف النهار والعشاء كذلك إن وجد. الكمية القليلة نسبيًّا لم تكن تسد الجوع لمدة يوم كامل.

بعض الذكريات صارت باهتةً مع مرور الزمن لكنها تبقى صحيحة مجملة وإن شاب بعضها الخلط! الحمد لله ذهبت أيام الفقر وحل محلها أيام النعمة والرخاء ويبقى واجب الشكر والحذر من دورة الأيام.

قد يسأل المرء مستغربًا: لماذا حين كنا صغارًا كان طعم خبزة في الصباح وتمرة في المساء أحلى طعام وأشهاه؟ ذلك لأن الجائع الذي لا يتوفر لديه الأكل مثلما كنا في بدايات سنواتنا يشتهي الأكل و يستطعمه أضعافًا مضاعفة من الذي لديه وفرة في الطعام!

ولدتُ في مطلع الستينات من القرن الماضي، بداية التعافي الاقتصادي وتحسن معايش الناس في جزيرة تاروت. لا يعني أن كل الناس في تلك الفترة كانوا معوزين لكن ميسوري الحال كانوا قلة في قبال الذين كانوا يعيشون الفقر. الثياب المرقعة، البيوت المبنية من أجزاء النخيل وما توفر من مواد، والأعمال التي تدر القليل من الكسب سمة واضحة على تواضع الحالة المادية.

عاشت عائلتنا - الكبيرة نسبيًّا - عيشة بسيطة جدًّا مثل أغلب العوائل معتمدة على ما يحضره الوالده رحمه الله من الفلاحة والبحر.  كبرت العائلة بعدما تزوج أخي الأكبر ملا أحمد - الذي ساهم بفعالية في دخل الأسرة - وكان من عادة الناس آنذاك أن تعيش الأسرة كلها تحت سقف واحد وإذا تزوج أحد الأبناء تعيش زوجته معه في أحد الغرف المبنية، أو في بيت من جريد النخل.

في تلك الفترة -  الستينات وما قبلها - لم يكن مستغربًا أن ترى فتا يمشي حافي القدمين، أو مرقع الثوب، أو يركب على حمار. ترى الاطفال يلعبون، بعضهم في ثياب قديمة مرقعة وبعضهم دون أحذية. لكنهم لما كانوا لم يدركوا بعد مرارة الفقر تراهم ضاحكين مسرورين. الفتيات لم يكنّ أفضل حالًا من الفتيان، كسوة واحدة في السنة!

أظن أنني أعطيت القارئ الكريم والقارئة الكريمة صورة مختصرة جدًّا عن حالة الفقر الذي عاشته شريحة وازنة من المجتمع قبل تحسن الاقتصاد. تلك الشريحة لم يمنعها الفقر من دخول المدارس والتعليم وحصول الكثير منهم على شهادات عليا كما لم يمنعهم من الانضمام إلى الشركات مثل شركة أرامكو آنذاك.

هذه الذكريات تسجل لكي يحمد الإنسان الله سبحانه وتعالى ويرى في الماضي عبرة وعظة؛ كيف عاش أبوه أو جده أو خاله أو عمه؟ لكي يعرف الشاب الذي يملك اليوم سيارة فارهة ويعيش في دار خاصة، أو شقة واسعة، كيف عاش الذين سبقوه وكيف وصل هو إلى ما هو عليه.


error: المحتوي محمي