مررت ذات يوم في وقت الظهيرة على رجل نائم على رصيف في الشارع العام، وسط حركة السيارات، وقد اختار لنفسه مكانًا في الظل. كان ذلك في أحد أيام أغسطس الحارة، مع رطوبة الجو وثقل الحر، وكانت الشمس قد تسللت إلى بعض أجزاء جسده، ومع ذلك كان مستغرقًا في نوم عميق، وكأن كل شيء حوله لا يعنيه.
توقفت لحظة أتأمل هذا المشهد، وتساءلت:
كيف استطاع هذا الرجل أن ينام بهذه الصورة، وسط هذا الحر والرطوبة والضوء وحركة السيارات؟ وماذا كان يحدث في جسده وهو غائب عن العالم من حوله؟
وكما يقول الناس: النوم سلطان؛ فإذا غلب النوم الإنسان، قد ينام حيث يجد فرصة للراحة، مهما كانت الظروف من حوله.
ومن هنا بدأ عندي سؤال أكبر:
ماذا ينام في الإنسان عندما ينام؟
هل ينام القلب؟ هل تتوقف الرئتان؟ هل تتوقف بقية الأعضاء؟ وماذا يحدث للدماغ؟ وهل تنام النفس؟
قد تبدو هذه الأسئلة غريبة، لكن النوم الذي نعيشه كل يوم يخفي وراءه منظومة دقيقة وعجيبة، تجعل الإنسان يغيب عن وعيه بالعالم من حوله، بينما تستمر الحياة في داخله دون توقف.
واللافت أن حاجة الإنسان إلى النوم لا تبقى ثابتة طوال حياته، بل تختلف باختلاف العمر والمرحلة التي يمر بها. فالطفل يحتاج إلى ساعات نوم أكثر من البالغ، وتكون حاجته كبيرة في السنوات الأولى من عمره، ثم تقل تدريجيًا مع مراحل النمو. فقد ينام الرضيع نحو 12 إلى 16 ساعة في اليوم، بينما يحتاج الطفل الأكبر سنًا إلى ساعات أقل، ويحتاج معظم البالغين عادةً إلى نحو 7 إلى 9 ساعات يوميًا، مع وجود اختلاف طبيعي بين الأشخاص.
وهذا الاختلاف يذكّرنا بأن النوم ليس قرارًا نختاره نحن بالكامل، بل هو حاجة بيولوجية تتغير مع العمر والحالة الجسدية ونمط الحياة. فالطفل لا يملك أن يختار عدد ساعات نومه كما يفعل البالغ، لأن جسده في مرحلة نمو يحتاج إلى النوم أكثر.
وكأن الجسم يعرف حاجته في كل مرحلة من مراحل العمر، ويضبط إيقاع النوم واليقظة بما يتناسب معها.
فمن ذا الذي أودع فينا هذا الإبداع؟
إنه الله سبحانه وتعالى.
ثم يأتي السؤال الأهم:
ماذا كان نائمًا طوال هذه الساعات؟
هل كان القلب نائمًا؟
لا. القلب يستمر في النبض وضخ الدم.
وهل كانت الرئتان نائمتين؟
لا. التنفس يستمر، فيدخل الأكسجين إلى الجسم ويخرج ثاني أكسيد الكربون.
وماذا عن العينين؟
العينان مغلقتان، لكنهما ليستا في حالة توقف كامل؛ ففي بعض مراحل النوم، وخصوصًا مرحلة حركة العين السريعة، تحدث حركات سريعة للعينين تحت الجفنين.
وماذا عن الأذنين؟
قد لا ننتبه إلى الأصوات كما نفعل في اليقظة، لكن الجهاز السمعي لا يتوقف تمامًا، ولذلك يمكن لبعض الأصوات أن توقظ الإنسان من نومه.
وماذا عن بقية الأعضاء، مثل الكبد والكليتين والأمعاء والطحال والعضلات والمفاصل وغيرها من أعضاء الجسم؟
هي أيضًا لا تدخل في حالة توقف؛ فهذه الأعضاء تستمر في أداء وظائفها الحيوية بدرجات مختلفة، بينما تنخفض الحركة والنشاط العضلي أثناء النوم.
وهناك أمر آخر قد يبدو بسيطًا، لكنه يلفت النظر إلى الفرق الكبير بين النوم والموت.
فالإنسان عندما ينام، مهما طال نومه، تبقى علامات الحياة واضحة عليه. يستمر الدم في الدوران، ويستمر القلب في النبض، والتنفس في العمل، ولا تتوقف أعضاء الجسم عن وظائفها الحيوية. وحتى لو نام الإنسان ساعات طويلة، فإن جسمه لا يدخل في التغيرات التي تحدث بعد الوفاة.
بل إننا نرى النائم يتقلب من جانب إلى آخر أثناء نومه، وقد يغيّر وضع يده أو ساقه وجسمه دون أن يكون واعيًا بذلك. وهذه الحركات تذكّرنا بأن الجسم لا يكون في حالة سكون كامل.
أما عند الموت، فتتوقف الدورة الدموية والتنفس، وتبدأ بعد ذلك تغيرات جسدية واضحة، فيتغير لون الجلد مع مرور الوقت، وقد تظهر مناطق أكثر شحوبًا في بعض المواضع، بينما تميل المناطق الواقعة في الأجزاء المنخفضة من الجسم إلى اللون الأرجواني أو الأزرق الداكن نتيجة تجمع الدم بعد توقف الدورة الدموية.
وهذا الفرق بين النائم والميت يوضح لنا أن النوم ليس توقفًا للحياة، وإنما حالة مؤقتة يتغير فيها الوعي والنشاط، بينما تستمر أجهزة الجسم في العمل.
فكيف أودع الله في هذه الأعضاء هذا التنظيم العجيب والدقيق، الذي يستمر في كل مرة ينام فيها الإنسان؟
فالنوم لا يعني أن أعضاء الجسم كلها تنام بالمعنى نفسه، وإنما تتغير درجة نشاطها ووظائفها بحسب طبيعة كل عضو ومرحلة النوم.
النوم والتخدير والغيبوبة والموت
ولكي تتضح الصورة أكثر، يمكن أن نتوقف عند أربع حالات قد تبدو متشابهة في ظاهرها، لكنها مختلفة اختلافًا كبيرًا: النوم الطبيعي، والتخدير العام، والغيبوبة، والموت.
في النوم الطبيعي يدخل الدماغ في حالة نوم منظمة، ينتقل خلالها بين مراحل مختلفة من نوم حركة العين غير السريعة ومراحل حركة العين السريعة. ولا يتوقف نشاط الدماغ، وإنما تتغير أنماط عمله، بينما تستمر مراكز عصبية مهمة في تنظيم التنفس وضربات القلب وغيرها من الوظائف الحيوية.
ومن الناحية التي تتصل بالنفس، فإن القرآن الكريم يذكر الأنفس في حال النوم، كما سنرى، ولذلك يمكن للإنسان أن يتأمل في أن النوم ليس انفصالًا نهائيًا عن الجسد، فالإنسان يعود إلى وعيه ويستيقظ بسرعة عند وجود منبه مناسب، كصوت أو لمس أو غير ذلك.
أما التخدير العام، فهو حالة يصنعها الدواء، تُثبَّط فيها شبكات الدماغ المسؤولة عن الوعي والإدراك والاستجابة بصورة مقصودة ومؤقتة، وتُراقب خلالها وظائف الجسم بعناية. وبعد انتهاء تأثير الأدوية يمكن للإنسان أن يستعيد وعيه تدريجيًا.
ومن الناحية الإيمانية، لا ينبغي أن نساوي التخدير بالنوم تمامًا، ولا أن نجزم بتفاصيل غيبية عن حال النفس فيه؛ لكن المهم أن الإنسان في التخدير ليس ميتًا، وتبقى وظائفه الحيوية قائمة ويعود إلى وعيه بعد زوال تأثير التخدير.
أما الغيبوبة فهي مختلفة؛ فهي حالة مرضية ناتجة عن اضطراب أو إصابة شديدة في الدماغ، مثل إصابة دماغية أو نقص شديد في الأكسجين أو بعض الأمراض أو السموم. يكون الإنسان فيها فاقدًا للوعي وغير قادر على الاستيقاظ والاستجابة بصورة طبيعية، مع اختلاف حالة الدماغ ووظائفه من مريض إلى آخر.
والغيبوبة ليست موتًا، كما أنها ليست مجرد نوم عميق؛ فقد تستمر بعض وظائف الدماغ والجسم، وقد يستعيد بعض المرضى وعيهم بحسب السبب وشدة الإصابة، بينما تكون حالات أخرى شديدة الخطورة.
أما الموت، فهو أمر مختلف تمامًا. وعندما يتحقق الموت الدماغي وفق المعايير الطبية المعتمدة، يكون هناك فقدان كامل ودائم لوظائف الدماغ وجذع الدماغ، ولا يمكن عودة هذه الوظائف.
وهنا يظهر الفرق الأساسي:
في النوم يتغير الوعي، وفي التخدير يُثبَّط بالدواء، وفي الغيبوبة يختل بسبب مرض أو إصابة، أما الموت الدماغي فهو فقدان نهائي ودائم لوظائف الدماغ.
أما الحديث عن تعلق النفس بالجسد في هذه الحالات، فهو يتصل بأمور غيبية لا نستطيع قياسها بالأجهزة الطبية أو وصف تفاصيلها وصفًا علميًا قاطعًا. والقرآن الكريم أعطانا ما يكفي لفتح باب التأمل في النوم والموت دون أن نزعم معرفة كيفية ذلك.
هل النفس هي التي تنام؟
هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.
فالقرآن الكريم يتحدث عن الأنفس في النوم، قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[الزمر: 42]
وهذه الآية تفتح بابًا واسعًا للتأمل في العلاقة بين النفس والنوم والموت.
وقد قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[آل عمران: 185]
ولعل من الأمور التي تزيد النوم غموضًا ما نراه في الأحلام؛ فقد يرى الإنسان نفسه في المنام في أماكن بعيدة، كأنه انتقل إلى دنيا أخرى، أو وجد نفسه في البحار والأنهار، ثم يستيقظ في لحظات ويجد نفسه في مكانه، في جسده نفسه، وكأن تلك الرحلة الطويلة لم تستغرق إلا لحظات.
وهنا يتساءل الإنسان: هل للنفس في أثناء النوم شأن لا ندرك تفاصيله؟ وهل يمكن أن يكون ما نراه في الأحلام صورة من صور هذا الغياب عن عالمنا المحسوس ثم العودة إليه؟
هذه أمور لا نستطيع أن نجزم بكيفيتها، وتبقى من الأسرار التي تدعو الإنسان إلى التأمل في عظمة الخلق.
فالنوم حالة يغيب فيها الإنسان عن وعيه بالعالم من حوله، ثم يعود إلى اليقظة من جديد، بينما الموت نهاية الأجل.
ولهذا ورد وصف النوم بأنه الوفاة الصغرى، مع بقاء الفرق الواضح بين النوم والموت.
أما حقيقة ما يحدث للنفس أثناء النوم وكيفية ذلك، فهي من الأمور التي لا نحيط بتفاصيلها.
وهنا تزداد روعة النوم وغموضه؛ فالإنسان يغيب عن وعيه بالعالم من حوله، ومع ذلك يعود إليه بعد ساعات، وكأن بين الغياب والعودة سرًا لا نحيط بكل تفاصيله.
نحن لا ننام ثم نقول للقلب:
«استمر في النبض حتى أستيقظ.»
ولا نقول للرئتين:
«لا تنسيا التنفس وأنا نائم.»
ولا نقول للكليتين:
«واصلا عملكما حتى الصباح.»
كل ذلك يحدث دون أن نشعر بتفاصيله.
وهنا تكمن روعة السؤال:
ننام نحن، ولا تنام الحياة فينا.
فالنوم لا يعني توقف الحياة؛ يتغير وعينا وإدراكنا لما حولنا، وتقل حركتنا، وتغلق أعيننا، بينما تستمر في داخلنا منظومة دقيقة من العمل.
والنوم نفسه ليس مجرد توقف عن العمل، وإنما هو حالة فسيولوجية نشطة يمر خلالها الدماغ والجسم بتغيرات منظمة، ويسهم النوم في استعادة التوازن وتنظيم عدد من الوظائف الحيوية.
والأجمل أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يفهم كل هذه العمليات حتى تحدث.
فقط يحتاج إلى أن ينام.
ثم تمر ساعات لا يشعر بها، وكأن الزمن قد اختصر، بينما تستمر في داخله عمليات كثيرة دون أن يشعر بها.
وهنا يظهر سؤال آخر:
من الذي يوقظنا عندما نكتفي من النوم؟
هل هو شيء في داخلنا؟ أم منظومة دقيقة في الدماغ والجسم؟
من الناحية العلمية، توجد في أجسامنا أنظمة دقيقة تنظم النوم واليقظة، ومنها الساعة البيولوجية والإشارات العصبية والهرمونية، فتتغير درجة النعاس واليقظة مع مرور الوقت.
لكن الإنسان يستطيع أن يتأمل في سؤال أعمق:
من الذي أودع فينا هذه المنظومة التي تعرف متى نحتاج إلى النوم، ومتى يحين وقت الاستيقاظ؟
وكأن الجسم، بعد أن أخذ حاجته من الراحة، يقول لنا:
«قم… لقد حان وقت النشاط.»
فنفتح أعيننا، ونشعر أن ثقل النوم قد زال، وأن النشاط بدأ يعود إلينا شيئًا فشيئًا.
نستيقظ بعد ساعات، فنجد أنفسنا أكثر راحة ونشاطًا، وكأن شيئًا في داخلنا قد أعاد ترتيب نفسه أثناء غيابنا عن الوعي.
وهنا يأتي سؤال آخر:
كيف ينام الإنسان، ويغيب عن وعيه بالعالم لساعات، ثم يعود إليه من جديد؟
وهنا يقف الإنسان أمام عظمة هذا الأمر اليومي الذي نمارسه جميعًا دون أن نتوقف كثيرًا عنده.
كيف ينتقل الدماغ من اليقظة إلى النوم ثم يعود إلى اليقظة؟
وكيف يستمر القلب والتنفس وبقية الوظائف الحيوية بينما نحن غائبون عن تفاصيلها؟
إنها منظومة دقيقة، يعمل فيها الدماغ والجهاز العصبي والهرمونات والأعضاء والخلايا بتناسق مذهل، ونحن لا نشعر إلا بالنتيجة:
ننام… ثم نستيقظ.
وكلما عرف الإنسان أكثر عن نفسه، وجد أمامه أبوابًا جديدة للتأمل في عظمة الخلق ودقة صنع الله.
قال تعالى:
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
[الذاريات: 21]
فربما كان سؤال النوم البسيط في ظاهره واحدًا من الأسئلة التي تجعلنا نتوقف قليلًا، ونتأمل هذا الجسد الذي نحمله معنا كل يوم، ونكتشف أن فيه من الأسرار ما يدعو إلى الدهشة.
إنه سؤال عجيب، وربما لا تكمن عظمته في أن نجد له إجابة واحدة، بل في أن يقودنا إلى التأمل في عظمة خلق الله سبحانه وتعالى ودقة صنعه.
فنحن ننام، لكن الحياة لا تنام في داخلنا؛ تستمر في صمت، بدقة وانتظام، بينما نحن غائبون عن تفاصيلها.
توقفت لحظة أتأمل هذا المشهد، وتساءلت:
كيف استطاع هذا الرجل أن ينام بهذه الصورة، وسط هذا الحر والرطوبة والضوء وحركة السيارات؟ وماذا كان يحدث في جسده وهو غائب عن العالم من حوله؟
وكما يقول الناس: النوم سلطان؛ فإذا غلب النوم الإنسان، قد ينام حيث يجد فرصة للراحة، مهما كانت الظروف من حوله.
ومن هنا بدأ عندي سؤال أكبر:
ماذا ينام في الإنسان عندما ينام؟
هل ينام القلب؟ هل تتوقف الرئتان؟ هل تتوقف بقية الأعضاء؟ وماذا يحدث للدماغ؟ وهل تنام النفس؟
قد تبدو هذه الأسئلة غريبة، لكن النوم الذي نعيشه كل يوم يخفي وراءه منظومة دقيقة وعجيبة، تجعل الإنسان يغيب عن وعيه بالعالم من حوله، بينما تستمر الحياة في داخله دون توقف.
واللافت أن حاجة الإنسان إلى النوم لا تبقى ثابتة طوال حياته، بل تختلف باختلاف العمر والمرحلة التي يمر بها. فالطفل يحتاج إلى ساعات نوم أكثر من البالغ، وتكون حاجته كبيرة في السنوات الأولى من عمره، ثم تقل تدريجيًا مع مراحل النمو. فقد ينام الرضيع نحو 12 إلى 16 ساعة في اليوم، بينما يحتاج الطفل الأكبر سنًا إلى ساعات أقل، ويحتاج معظم البالغين عادةً إلى نحو 7 إلى 9 ساعات يوميًا، مع وجود اختلاف طبيعي بين الأشخاص.
وهذا الاختلاف يذكّرنا بأن النوم ليس قرارًا نختاره نحن بالكامل، بل هو حاجة بيولوجية تتغير مع العمر والحالة الجسدية ونمط الحياة. فالطفل لا يملك أن يختار عدد ساعات نومه كما يفعل البالغ، لأن جسده في مرحلة نمو يحتاج إلى النوم أكثر.
وكأن الجسم يعرف حاجته في كل مرحلة من مراحل العمر، ويضبط إيقاع النوم واليقظة بما يتناسب معها.
فمن ذا الذي أودع فينا هذا الإبداع؟
إنه الله سبحانه وتعالى.
ثم يأتي السؤال الأهم:
ماذا كان نائمًا طوال هذه الساعات؟
هل كان القلب نائمًا؟
لا. القلب يستمر في النبض وضخ الدم.
وهل كانت الرئتان نائمتين؟
لا. التنفس يستمر، فيدخل الأكسجين إلى الجسم ويخرج ثاني أكسيد الكربون.
وماذا عن العينين؟
العينان مغلقتان، لكنهما ليستا في حالة توقف كامل؛ ففي بعض مراحل النوم، وخصوصًا مرحلة حركة العين السريعة، تحدث حركات سريعة للعينين تحت الجفنين.
وماذا عن الأذنين؟
قد لا ننتبه إلى الأصوات كما نفعل في اليقظة، لكن الجهاز السمعي لا يتوقف تمامًا، ولذلك يمكن لبعض الأصوات أن توقظ الإنسان من نومه.
وماذا عن بقية الأعضاء، مثل الكبد والكليتين والأمعاء والطحال والعضلات والمفاصل وغيرها من أعضاء الجسم؟
هي أيضًا لا تدخل في حالة توقف؛ فهذه الأعضاء تستمر في أداء وظائفها الحيوية بدرجات مختلفة، بينما تنخفض الحركة والنشاط العضلي أثناء النوم.
وهناك أمر آخر قد يبدو بسيطًا، لكنه يلفت النظر إلى الفرق الكبير بين النوم والموت.
فالإنسان عندما ينام، مهما طال نومه، تبقى علامات الحياة واضحة عليه. يستمر الدم في الدوران، ويستمر القلب في النبض، والتنفس في العمل، ولا تتوقف أعضاء الجسم عن وظائفها الحيوية. وحتى لو نام الإنسان ساعات طويلة، فإن جسمه لا يدخل في التغيرات التي تحدث بعد الوفاة.
بل إننا نرى النائم يتقلب من جانب إلى آخر أثناء نومه، وقد يغيّر وضع يده أو ساقه وجسمه دون أن يكون واعيًا بذلك. وهذه الحركات تذكّرنا بأن الجسم لا يكون في حالة سكون كامل.
أما عند الموت، فتتوقف الدورة الدموية والتنفس، وتبدأ بعد ذلك تغيرات جسدية واضحة، فيتغير لون الجلد مع مرور الوقت، وقد تظهر مناطق أكثر شحوبًا في بعض المواضع، بينما تميل المناطق الواقعة في الأجزاء المنخفضة من الجسم إلى اللون الأرجواني أو الأزرق الداكن نتيجة تجمع الدم بعد توقف الدورة الدموية.
وهذا الفرق بين النائم والميت يوضح لنا أن النوم ليس توقفًا للحياة، وإنما حالة مؤقتة يتغير فيها الوعي والنشاط، بينما تستمر أجهزة الجسم في العمل.
فكيف أودع الله في هذه الأعضاء هذا التنظيم العجيب والدقيق، الذي يستمر في كل مرة ينام فيها الإنسان؟
فالنوم لا يعني أن أعضاء الجسم كلها تنام بالمعنى نفسه، وإنما تتغير درجة نشاطها ووظائفها بحسب طبيعة كل عضو ومرحلة النوم.
النوم والتخدير والغيبوبة والموت
ولكي تتضح الصورة أكثر، يمكن أن نتوقف عند أربع حالات قد تبدو متشابهة في ظاهرها، لكنها مختلفة اختلافًا كبيرًا: النوم الطبيعي، والتخدير العام، والغيبوبة، والموت.
في النوم الطبيعي يدخل الدماغ في حالة نوم منظمة، ينتقل خلالها بين مراحل مختلفة من نوم حركة العين غير السريعة ومراحل حركة العين السريعة. ولا يتوقف نشاط الدماغ، وإنما تتغير أنماط عمله، بينما تستمر مراكز عصبية مهمة في تنظيم التنفس وضربات القلب وغيرها من الوظائف الحيوية.
ومن الناحية التي تتصل بالنفس، فإن القرآن الكريم يذكر الأنفس في حال النوم، كما سنرى، ولذلك يمكن للإنسان أن يتأمل في أن النوم ليس انفصالًا نهائيًا عن الجسد، فالإنسان يعود إلى وعيه ويستيقظ بسرعة عند وجود منبه مناسب، كصوت أو لمس أو غير ذلك.
أما التخدير العام، فهو حالة يصنعها الدواء، تُثبَّط فيها شبكات الدماغ المسؤولة عن الوعي والإدراك والاستجابة بصورة مقصودة ومؤقتة، وتُراقب خلالها وظائف الجسم بعناية. وبعد انتهاء تأثير الأدوية يمكن للإنسان أن يستعيد وعيه تدريجيًا.
ومن الناحية الإيمانية، لا ينبغي أن نساوي التخدير بالنوم تمامًا، ولا أن نجزم بتفاصيل غيبية عن حال النفس فيه؛ لكن المهم أن الإنسان في التخدير ليس ميتًا، وتبقى وظائفه الحيوية قائمة ويعود إلى وعيه بعد زوال تأثير التخدير.
أما الغيبوبة فهي مختلفة؛ فهي حالة مرضية ناتجة عن اضطراب أو إصابة شديدة في الدماغ، مثل إصابة دماغية أو نقص شديد في الأكسجين أو بعض الأمراض أو السموم. يكون الإنسان فيها فاقدًا للوعي وغير قادر على الاستيقاظ والاستجابة بصورة طبيعية، مع اختلاف حالة الدماغ ووظائفه من مريض إلى آخر.
والغيبوبة ليست موتًا، كما أنها ليست مجرد نوم عميق؛ فقد تستمر بعض وظائف الدماغ والجسم، وقد يستعيد بعض المرضى وعيهم بحسب السبب وشدة الإصابة، بينما تكون حالات أخرى شديدة الخطورة.
أما الموت، فهو أمر مختلف تمامًا. وعندما يتحقق الموت الدماغي وفق المعايير الطبية المعتمدة، يكون هناك فقدان كامل ودائم لوظائف الدماغ وجذع الدماغ، ولا يمكن عودة هذه الوظائف.
وهنا يظهر الفرق الأساسي:
في النوم يتغير الوعي، وفي التخدير يُثبَّط بالدواء، وفي الغيبوبة يختل بسبب مرض أو إصابة، أما الموت الدماغي فهو فقدان نهائي ودائم لوظائف الدماغ.
أما الحديث عن تعلق النفس بالجسد في هذه الحالات، فهو يتصل بأمور غيبية لا نستطيع قياسها بالأجهزة الطبية أو وصف تفاصيلها وصفًا علميًا قاطعًا. والقرآن الكريم أعطانا ما يكفي لفتح باب التأمل في النوم والموت دون أن نزعم معرفة كيفية ذلك.
هل النفس هي التي تنام؟
هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.
فالقرآن الكريم يتحدث عن الأنفس في النوم، قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[الزمر: 42]
وهذه الآية تفتح بابًا واسعًا للتأمل في العلاقة بين النفس والنوم والموت.
وقد قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[آل عمران: 185]
ولعل من الأمور التي تزيد النوم غموضًا ما نراه في الأحلام؛ فقد يرى الإنسان نفسه في المنام في أماكن بعيدة، كأنه انتقل إلى دنيا أخرى، أو وجد نفسه في البحار والأنهار، ثم يستيقظ في لحظات ويجد نفسه في مكانه، في جسده نفسه، وكأن تلك الرحلة الطويلة لم تستغرق إلا لحظات.
وهنا يتساءل الإنسان: هل للنفس في أثناء النوم شأن لا ندرك تفاصيله؟ وهل يمكن أن يكون ما نراه في الأحلام صورة من صور هذا الغياب عن عالمنا المحسوس ثم العودة إليه؟
هذه أمور لا نستطيع أن نجزم بكيفيتها، وتبقى من الأسرار التي تدعو الإنسان إلى التأمل في عظمة الخلق.
فالنوم حالة يغيب فيها الإنسان عن وعيه بالعالم من حوله، ثم يعود إلى اليقظة من جديد، بينما الموت نهاية الأجل.
ولهذا ورد وصف النوم بأنه الوفاة الصغرى، مع بقاء الفرق الواضح بين النوم والموت.
أما حقيقة ما يحدث للنفس أثناء النوم وكيفية ذلك، فهي من الأمور التي لا نحيط بتفاصيلها.
وهنا تزداد روعة النوم وغموضه؛ فالإنسان يغيب عن وعيه بالعالم من حوله، ومع ذلك يعود إليه بعد ساعات، وكأن بين الغياب والعودة سرًا لا نحيط بكل تفاصيله.
نحن لا ننام ثم نقول للقلب:
«استمر في النبض حتى أستيقظ.»
ولا نقول للرئتين:
«لا تنسيا التنفس وأنا نائم.»
ولا نقول للكليتين:
«واصلا عملكما حتى الصباح.»
كل ذلك يحدث دون أن نشعر بتفاصيله.
وهنا تكمن روعة السؤال:
ننام نحن، ولا تنام الحياة فينا.
فالنوم لا يعني توقف الحياة؛ يتغير وعينا وإدراكنا لما حولنا، وتقل حركتنا، وتغلق أعيننا، بينما تستمر في داخلنا منظومة دقيقة من العمل.
والنوم نفسه ليس مجرد توقف عن العمل، وإنما هو حالة فسيولوجية نشطة يمر خلالها الدماغ والجسم بتغيرات منظمة، ويسهم النوم في استعادة التوازن وتنظيم عدد من الوظائف الحيوية.
والأجمل أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يفهم كل هذه العمليات حتى تحدث.
فقط يحتاج إلى أن ينام.
ثم تمر ساعات لا يشعر بها، وكأن الزمن قد اختصر، بينما تستمر في داخله عمليات كثيرة دون أن يشعر بها.
وهنا يظهر سؤال آخر:
من الذي يوقظنا عندما نكتفي من النوم؟
هل هو شيء في داخلنا؟ أم منظومة دقيقة في الدماغ والجسم؟
من الناحية العلمية، توجد في أجسامنا أنظمة دقيقة تنظم النوم واليقظة، ومنها الساعة البيولوجية والإشارات العصبية والهرمونية، فتتغير درجة النعاس واليقظة مع مرور الوقت.
لكن الإنسان يستطيع أن يتأمل في سؤال أعمق:
من الذي أودع فينا هذه المنظومة التي تعرف متى نحتاج إلى النوم، ومتى يحين وقت الاستيقاظ؟
وكأن الجسم، بعد أن أخذ حاجته من الراحة، يقول لنا:
«قم… لقد حان وقت النشاط.»
فنفتح أعيننا، ونشعر أن ثقل النوم قد زال، وأن النشاط بدأ يعود إلينا شيئًا فشيئًا.
نستيقظ بعد ساعات، فنجد أنفسنا أكثر راحة ونشاطًا، وكأن شيئًا في داخلنا قد أعاد ترتيب نفسه أثناء غيابنا عن الوعي.
وهنا يأتي سؤال آخر:
كيف ينام الإنسان، ويغيب عن وعيه بالعالم لساعات، ثم يعود إليه من جديد؟
وهنا يقف الإنسان أمام عظمة هذا الأمر اليومي الذي نمارسه جميعًا دون أن نتوقف كثيرًا عنده.
كيف ينتقل الدماغ من اليقظة إلى النوم ثم يعود إلى اليقظة؟
وكيف يستمر القلب والتنفس وبقية الوظائف الحيوية بينما نحن غائبون عن تفاصيلها؟
إنها منظومة دقيقة، يعمل فيها الدماغ والجهاز العصبي والهرمونات والأعضاء والخلايا بتناسق مذهل، ونحن لا نشعر إلا بالنتيجة:
ننام… ثم نستيقظ.
وكلما عرف الإنسان أكثر عن نفسه، وجد أمامه أبوابًا جديدة للتأمل في عظمة الخلق ودقة صنع الله.
قال تعالى:
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
[الذاريات: 21]
فربما كان سؤال النوم البسيط في ظاهره واحدًا من الأسئلة التي تجعلنا نتوقف قليلًا، ونتأمل هذا الجسد الذي نحمله معنا كل يوم، ونكتشف أن فيه من الأسرار ما يدعو إلى الدهشة.
إنه سؤال عجيب، وربما لا تكمن عظمته في أن نجد له إجابة واحدة، بل في أن يقودنا إلى التأمل في عظمة خلق الله سبحانه وتعالى ودقة صنعه.
فنحن ننام، لكن الحياة لا تنام في داخلنا؛ تستمر في صمت، بدقة وانتظام، بينما نحن غائبون عن تفاصيلها.



