12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

صفيرٌ في آخر الصف

دخلتُ صفّي ذات يوم، وبدأتُ كعادتي بمراجعة الدرس السابق، أطرح سؤالًا وأنتظر إجابة، وأحاول أن أوقظ في الطلاب فضولهم قبل أن نبدأ درسًا جديدًا. وبينما كنت أشرح، سمعتُ صفيرًا يأتي من آخر الصف. تجاوزتُه وأكملت، لكنه تكرّر، كأن صاحبه ينتظر مني أن أتوقف، أو أغضب، أو أبدأ معركةً صغيرة أمام زملائه.

لم أشأ أن أمنحه ذلك. واصلتُ درسي، وفي داخلي سؤال: ما الذي يدفع طالبًا إلى أن يطلب حضورَه بهذه الطريقة؟

انتهت الحصة وخرجتُ دون أن أعلّق على ما حدث. كنت أحاول ألّا أمنح السلوك اهتمامًا يزيده، لكنني أردت أن أفهم صاحبه.

في الحصة التالية، رحتُ أراقب آخر الصف بهدوء دون أن أُشعر أحدًا بذلك. ولمّا تكرّر الصفير وأنا منشغل بجهاز الحاسب أنتقل إلى الشريحة التالية، رفعتُ رأسي فجأة، فرأيتُ العيون تتّجه نحو طالبٍ واحد يحاول أن يخفي ابتسامته، ثم يطرق برأسه كأن شيئًا لم يكن.

عرفتُ اسمه من كشف الحضور، وتوجّهتُ إلى المرشد الطلابي أسأله عنه؛ عن أسرته، وصحته، وكيف تسير حياته خارج المدرسة.

قال لي إنه يحتاج إلى اهتمام، وإن وضعه الدراسي غير جيد.

توقفتُ عند هذه التفاصيل. لم تكن كافيةً لتفسير ما حدث، لكنها جعلتني أرى خلف المقعد طالبًا يحمل معه إلى المدرسة حياةً لا نعرف عنها الكثير.

ذهبتُ إلى الصف وناديتُه:

— تعال يا حسن.

وما إن خرج حتى بادرني:

— أستاذ، أنا لم أُصفّر!

قلت:

— لم آتِ لأسألك عن هذا.

تمشّينا قليلًا في فناء المدرسة. سألته عن يومه، وكيف يقضي وقته، ثم جاء الحديث عن يومه بعد المدرسة، فقال:

— لا شيء سوى الجوال والنادي.

سألته عمّن يتولى رعايته، فقال:

— أبي يعمل دومًا.

قلت له:

— أبوك يتعب من أجلك يا حسن، وأغلى ما يتمناه أن يراك بخير، ويفرح بنجاحك.

نظر إليّ قليلًا، ثم قال:

— أعتذر يا أستاذ.

قلت:

— لماذا؟

قال:

— عن التصفير.

قلت له إنه في مقام ابني، وإن حمل همًّا فلا يحمله وحده، فنحن هنا لنسمعه ونعينه. أردتُه أن يعرف أن له مكانًا بيننا، وأن باب المدرسة يتسع لهمومه كما يتسع لكتبه ودفاتره.

بدأت عيناه تدمعان، ووعدني بأن يجتهد، ثم عاد إلى صفّه.

في اليوم التالي وجدته في الصف الأمامي، يرفع يده ويشارك، بعدما كان يعزف عن المشاركة وحل الواجبات. ومضت الأيام، وانتهت السنة وقد حصل على أعلى الدرجات.

ومرّت سنوات، حتى وصلني خبر أن حسنًا أصبح مهندسًا.

توقفتُ عند الخبر، وعدتُ بذاكرتي إلى ذلك الطالب الذي كان يجلس في آخر الصف، وإلى حديثنا القصير في فناء المدرسة. لم أكن أعرف يومها إلى أين ستأخذه الحياة، ولا ماذا سيصبح بعد سنوات. ولم أعتبر أن كلمةً مني صنعت مستقبله، فالنجاح ثمرة جهده ومثابرته، لكنني شعرت بسعادة خاصة وأنا أتذكر كيف بدأت حكايتي معه بصفيرٍ لم أكن أعرف صاحبه.

بقي حسن في ذاكرتي. وكلما رأيتُ طالبًا مشاغبًا أو متعثرًا، تذكّرتُ أن ما أراه منه في الحصة جزءٌ صغير من يومه، وأن وراء باب بيته تفاصيل قد تساعدني على فهمه.

لا أدّعي أن كل تعثّر تحلّه كلمة، ولا أن لكل مشاغبة حكايةً حزينة. لكن التوقف قليلًا لفهم الطلاب قد يغيّر الطريقة التي نتعامل بها معهم، وقد يفتح بابًا أغلقه التوبيخ مرارًا.

لا أدري إن كان حسنٌ ما زال يذكر حديثنا في فناء المدرسة، لكنني كلما تذكّرته سألتُ نفسي: ماذا لو اكتفيتُ يومها بإسكاته؟

علّمني حسن أن في الصف أسئلةً لا نجدها في الكتاب، وأن الطلاب الذين ننتظر منهم إجابةً قد يكونون هم أيضًا ينتظرون منّا سؤالًا… سؤالًا بسيطًا، يشعرون معه أن هناك من يهتمّ لأمرهم، وأن ما في قلوبهم يستحقّ أن يُسمع.


error: المحتوي محمي