25 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

المنتَّف!

"المنتف" في لهجتنا الدارجة تعني المفلّس، أو الفقير الذي لا يملك المال، مثله مثل الطائر منزوع الريش.

قضى المنتف ما بقي من عمره يدخن كل يوم علبة سجائر من الفقر والقهر. المنتف لديه عائلة و يعتمد في دخله على ما يحصل عليه من وظيفته البسيطة والتقاعد!

انتقل المنتف إلى رحمة الله فظهرت قبيلته العظيمة بقضها وقضيضها، حتى الأطفال، في سلسلة طويلة، اصطفوا كلهم في العزاء! مائة رجل بالتمام والكمال، أو يزيدون! كلهم ظهروا فجأةً في العزاء. لو نظر لهم المنتف من قبره لقالَ لهم:

لا ألفينّكَ بعد الموت تندبني‌ ..
و في حياتي ما زوّدتني زادي‌

ماتَ ليلة الجمعة ودفن يوم الجمعة لا يملك شيئًا، حتى مصاريف العزاء، إلا أن الكل حسد المنتف على موته ليلة الجمعة.

يذكر أيضًا أن المنتف حينما عزم الزواج تجمع كل الأقارب فوق الدكة. لم يطلب العون ولم يتبرع أحد من الأقارب، اكتفوا بالحضور وهو اكتفى بالامتنان والشكر.

المنتف يتزوج ويخلف ويموت - كل يوم - دون أن يشعر به أحد. يعيش في الخيال، في عقولنا، وفي الواقع. يظنه الناس أغنى الأغنياء لأنه لا يسأل، شعاره مستورة الحمد لله.

فاز المخفون، أو فاز المخفون يا سلمان، تختصر جمال الإنسان - المنتف - الذي تخفف من الماديات، سهلٌ حسابه عند الله سبحانه وتعالى. 

فاز المخفون في اليومِ العظيم الطويل..
وخاب من كان وزره فـوق ظهـره ثقيل

كم من مفلّس في الدنيا يأتي غنيًّا يوم القيامة؟ وكم من غني في الدنيا يأتي مفلّسًا يوم القيامة؟

ماذا قدم وماذا آخر؟ سؤال يفصل بين الدنيا والآخرة، عندما يموت إنسان يبدأ حصر الإرث في الدنيا؛ النقود، العقار، وغير ذلك من المكاسب وفي نفس الوقت يبدأ استعراض أعماله بعد الموت، ماذا عمل من خير؟ وماذا عمل من شر؟

"ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله سأل أصحابه: أتدرون ما المفلّس؟ فقيل: المفلّس فينا من لا درهم له ولا متاع له، فقال: المفلّس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا، وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار".

رأيت في بعض الأحاديث "إن فقراء المسلمين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا". أدع للقراء الكرام البحث عن صحة الحديث ومعناه.

"ولو تمثل لي الفقرُ رجلًا لقتلته".


error: المحتوي محمي