قال أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام:
«لا وَجَعَ أوجعُ للقلوب من الذنوب، ولا خوفَ أشدُّ من الموت، وكفى بما سلف تفكّرًا، وكفى بالموت واعظًا».[1]
كان يشكو من ألمٍ يتكرر في جسده، لكنه لم يكن يمنحه كثيرًا من الاهتمام.
كان الألم يأتي فيتجاهله، وتظهر الأعراض فيؤجل، ويقول في نفسه:
— لعلها تزول غدًا.
ومضت الأيام، واستمر التسويف، حتى اشتد عليه المرض، فاضطر أخيرًا إلى زيارة الطبيب.
وبعد الفحوصات، جلس الطبيب أمامه وقال:
— لقد تبيّن أنك مصاب بمرض يحتاج إلى علاج ومتابعة.
سأله الطبيب:
— متى كانت آخر زيارة لك للمستشفى؟
أجابه:
— منذ زمن بعيد.
قال الطبيب:
— ألم تشعر بأعراضٍ قبل ذلك؟
أطرق الرجل رأسه وقال بأسف:
— بلى… كنت أشعر بها، لكن الإهمال والتسويف أوصلاني إلى هذه النتيجة.
ابتسم الطبيب مطمئنًا وقال:
— لا تقلق، لا يزال هناك أمل، ولكن عليك الالتزام بالعلاج، والمتابعة الدورية، وألا تعود إلى الإهمال مرة أخرى.
خرج الرجل من العيادة وهو يفكر في مرض جسده…
لكن هناك مرضًا آخر قد يكون أخطر، وأشد خفاءً، وأعظم أثرًا.
إنه مرض القلب.
حين يمرض القلب
إذا مرض الجسد، شعرنا بألمه، وذهبنا إلى الطبيب، وأجرينا الفحوصات، وحرصنا على العلاج.
أما القلب، فقد يمرض طويلًا دون أن يشعر صاحبه بخطورة ما أصابه.
وقد تحدّث القرآن الكريم عن مرض القلوب، فقال تعالى:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
[البقرة: 10]
ومرض القلب لا يظهر في تحليل الدم، ولا تكشفه صورة الأشعة، ولا يراه الطبيب بالسماعة.
لكنه يظهر في العبادة، وفي الأخلاق، وفي علاقتنا بالله، وفي مقدار تأثرنا بالحق والموعظة.
فقد تمر الآية التي كانت تحرّك القلب فلا تترك فيه أثرًا.
وتأتي الموعظة التي كانت تستدر الدموع، فتُسمع وكأنها كلام عابر.
ويصبح الذنب الذي كان يؤلم الضمير أمرًا يتكرر بلا ندم.
وهنا يبدأ مرضٌ روحيٌّ خطير:
قسوة القلب.
كيف يقسو القلب؟
إذا أردنا أن نبحث في أسباب مرض القلب، فإن الحديث يطول، لكن أمير المؤمنين عليه السلام اختصر لنا أحد أعظم أسبابه في كلمة واحدة:
الذنوب.
فالذنب لا يمر على القلب مرورًا بلا أثر.
قد يكون الذنب في بدايته مؤلمًا للنفس، يهز الضمير، ويدفع الإنسان إلى الندم والاستغفار، ولكن إذا تكرر، وتساهل الإنسان معه، ولم يبادر إلى التوبة، فقد يضعف شعوره بخطورته.
ومع تكرار الذنب، تتراكم آثاره على القلب حتى يفقد شيئًا من رقته ونوره.
وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:
«ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب».[2]
إنها سلسلة تبدأ صغيرة:
ذنب…
ثم غفلة…
ثم تسويف في التوبة…
ثم اعتياد…
حتى يصبح ما كان يؤلم القلب بالأمس أمرًا لا يحرّكه اليوم.
وهنا تكمن الخطورة.
أعراض لا تظهر في التحاليل
من أخطر أمراض القلب أن صاحبه قد لا يشعر بمرضه.
فقد يكون الإنسان صحيح البدن، نشيطًا في حياته، ناجحًا في عمله، لكنه في داخله يعاني جفافًا روحيًا لا يراه أحد.
ومن علامات ذلك:
قلة التأثر بالموعظة، وضعف الخشوع، والتهاون بالصلاة والعبادة، والإصرار على الخطأ، وضعف الندم بعد المعصية، وقلة التفكر في الموت والآخرة.
وقد ورد التحذير من ترك العبادة لما يورثه من أثرٍ في القلب.[3]
كما ورد التحذير من بعض ألوان اللهو التي تشغل الإنسان وتُبعد قلبه عن الذكر والطاعة.[4]
فالقلب يحتاج إلى غذائه كما يحتاج الجسد إلى غذائه.
وغذاء القلب هو القرآن، والذكر، والصلاة، والتوبة، والدعاء، والتفكر، ومجالس الخير، وصحبة الصالحين.
وكلما ابتعد الإنسان عن هذه المنابع، أصبح قلبه أكثر عرضة للجفاف والقسوة.
لا يزال هناك أمل
كما قال الطبيب لذلك المريض:
— لا يزال هناك أمل…
فإن هذه العبارة تصلح لكل من يشعر بأن قلبه تغير، أو ضعفت عبادته، أو كثرت غفلته.
نعم، لا يزال هناك أمل.
فباب الله لا يُغلق في وجه التائبين، والقلب مهما قسا يمكن أن يعود رقيقًا إذا صدقت العودة.
قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
[الزمر: 53]
فالعلاج يبدأ بالاعتراف بالتقصير، ثم التوبة، ثم العودة الصادقة إلى الله.
ومن أعظم الأدوية التي تعيد للقلب حياته: التفكر.
أن يجلس الإنسان مع نفسه بعيدًا عن ضجيج الحياة، ويطرح على قلبه بعض الأسئلة:
إلى أين أمضي؟
ماذا صنعت في أيامي؟
كم من نعمةٍ غمرتني وأنا غافل عن شكرها؟
كم ذنبًا يحتاج إلى توبة؟
كم حقًا يحتاج إلى إصلاح؟
وكم بقي من العمر؟
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
«عوّدوا قلوبكم الرقة، وأكثروا من التفكر والبكاء من خشية الله».[5]
فالتفكر يوقظ القلب من غفلته، ويعيد ترتيب الأولويات، ويكشف للإنسان حقيقة الدنيا وقصر الطريق.
افحص قلبك
نحن نحرص على إجراء الفحوصات الدورية لأجسادنا؛ خوفًا من مرضٍ قد يتسلل إلينا دون أن نشعر.
فلماذا لا نفحص قلوبنا أيضًا؟
اسأل نفسك بين حين وآخر:
هل ما زلت أتأثر بالقرآن؟
هل أشعر بالندم إذا أخطأت؟
هل أشتاق إلى الصلاة؟
هل يرق قلبي لحاجة الناس؟
هل أستطيع أن أصفح وأسامح؟
هل ما زالت عيني تعرف طريق الدموع حين أقف بين يدي الله؟
إن وجدت في الإجابات ما يؤلمك، فلا تيأس.
فربما يكون شعورك بالألم علامة حياة.
وربما يكون إدراكك للمرض هو أول خطوة في طريق الشفاء.
القلب قد يمرض… لكنه يستطيع أن يشفى.
والتوبة دواء.
والذكر دواء.
والقرآن دواء.
والتفكر دواء.
والاستغفار دواء.
والدمعة الصادقة دواء.
والعودة إلى الله أعظم الدواء.
فلا تؤجل علاج قلبك كما تؤجل علاج جسدك؛ فقد يكون مرض الجسد مؤلمًا، ولكن قسوة القلب من أخطر الأمراض.
المصادر
[1] الكافي، ج2، ص275.
[2] بحار الأنوار، ج70، ص55.
[3] تنبيه الخواطر، ص360.
[4] وسائل الشيعة، ج17، ص314.
[5] بحار الأنوار، ج83، ص351.



